
❗️sadawilaya❗
أحلام الصوفي
تبدو السعودية، بحسب ما تتناقله مصادر مطلعة، وكأنها تحاول تكرار سيناريو إسقاط بغداد بيد الأمريكيين، من خلال صناعة هالة إعلامية ضخمة حول تحركات مرتزقتها في الميدان، وتصوير ما يحققونه من تقدم محدود أو سيطرة مؤقتة على بعض المناطق وكأنه انتصار عسكري حاسم يمهد لسقوط اليمن بأكملها.
وهنا تحديداً تكمن قمة الغباء في الحسابات السعودية، لأن من يقرأ المشهد اليمني بعقلية بغداد يرتكب خطأً استراتيجياً فادحاً. هذه اليمن وليست العراق، وصنعاء ليست بغداد، والشعب اليمني ليس شعباً ينتظر من يقرر مصيره من خلف الحدود.
ما تقوم به السعودية من تضخيم إعلامي للتحركات العسكرية ومحاولة إقناع الرأي العام بأن مرتزقتها باتوا يسيطرون على مناطق واسعة لا يغير من حقيقة المشهد شيئاً، فالسيطرة على منطقة هنا أو موقع هناك لا تعني إسقاط دولة ولا حسم معركة، خصوصاً في بلد كاليمن يعرف طبيعة الحروب الطويلة، ويمتلك جغرافيا صعبة وتجربة متراكمة في مواجهة التدخلات الخارجية.
يبدو أن الرياض تراهن مرة أخرى على الحرب النفسية قبل أن تراهن على الميدان، فتدفع بوسائل إعلامها ومنصاتها إلى صناعة انتصارات على الورق، وكأن تكرار الأخبار عن السيطرة والتقدم سيؤدي تلقائياً إلى انهيار الجبهة المقابلة. لكن اليمنيين يعرفون جيداً الفرق بين الضجيج الإعلامي وبين التحول الحقيقي في موازين القوة.
الأكثر غرابة أن السعودية تتعامل مع اليمن وكأنها ساحة مفتوحة يمكن إعادة تشكيلها وفق الرغبات الخارجية، متناسية أن اليمن لم يكن يوماً بلداً سهل الإخضاع، وأن محاولات فرض الوصاية عليه لم تنتج إلا مزيداً من الرفض والمقاومة.
إن إسقاط بغداد لم يكن نتيجة حملة إعلامية ولا نتيجة تحرك لقوات محلية، وإنما جاء في سياق غزو أمريكي مباشر استخدمت فيه الولايات المتحدة أضخم قوة عسكرية في العالم، وفي ظروف دولية وإقليمية مختلفة تماماً. أما اليمن، فالمعادلة مختلفة جذرياً، والرهان على إعادة إنتاج ذلك السيناريو هو تجاهل كامل لخصوصية الجغرافيا اليمنية وطبيعة المجتمع اليمني وتركيبته السياسية والعسكرية.
وإذا كانت السعودية تعتقد أن تحريك مرتزقتها في بعض الجبهات وتقديم تحركاتهم إعلامياً باعتبارها انتصارات كبرى سيقود إلى سقوط صنعاء، فإنها تعيد الخطأ نفسه الذي وقعت فيه خلال سنوات الحرب، حين ظنت أن التفوق الجوي والحصار والحشود العسكرية كفيلة بفرض الاستسلام على اليمنيين.
لكن السنوات الماضية أثبتت أن الحرب لا تُحسم بمجرد امتلاك الطائرات أو الأموال أو وسائل الإعلام، وأن الطرف الذي يستطيع الصمود وإدارة المعركة وتحمل تبعاتها هو الذي يفرض حساباته في النهاية.
المشكلة الأكبر في الحسابات السعودية أن هناك فارقاً شاسعاً بين احتلال موقع وبين القدرة على الاحتفاظ به، وبين تحريك قوات على الأرض وبين امتلاك قرار يمني مستقل، وبين صناعة صورة إعلامية عن الانتصار وبين تحقيق انتصار حقيقي يمكن تثبيته سياسياً وعسكرياً.
ولهذا فإن كل تلك الضجة الإعلامية لن تغير حقيقة أن اليمن ليست بغداد، وأن صنعاء ليست مدينة يمكن إسقاطها بمجرد صناعة مشهد إعلامي مشابه لما سبق سقوط بغداد.
اليمن بلد له تاريخه وجغرافيته وشعبه وإرادته، وأي قوة خارجية تراهن على تحويله إلى ساحة لتنفيذ أجنداتها ستصطدم بحقيقة لا يمكن تجاوزها: اليمنيون يرفضون الوصاية، ولا يقبلون أن يكون بلدهم تابعاً لأي عاصمة خارجية.
أما المرتزقة الذين تراهن عليهم الرياض، فمهما بلغ حجم الدعم المقدم لهم، فإنهم يظلون أدوات في معركة أكبر منهم، ولن تمنحهم الدعاية الإعلامية شرعية شعبية ولا تحولهم إلى أصحاب قرار مستقل.
لقد حان الوقت لأن تدرك السعودية أن اليمن لا يُدار من غرف العمليات الخارجية، وأن الانتصار لا يُصنع بالعناوين العاجلة ولا بالبيانات الإعلامية، وأن محاولة تكرار تجربة بغداد في صنعاء ليست سوى وهم سياسي وعسكري قد يقود أصحابه إلى نتائج عكسية تماماً.
فاليمن ليست العراق، وصنعاء ليست بغداد، وما عجزت الحرب والحصار والضغوط الخارجية عن تحقيقه طوال سنوات لن تحققه اليوم حملة إعلامية مهما ارتفعت أصواتها.
وفي النهاية سيبقى الميدان هو الحكم، وستسقط كل الهالات الإعلامية عندما تصطدم بالواقع، لأن الشعوب لا تُهزم بالدعاية، والأوطان لا تسقط لمجرد أن بعض وسائل الإعلام أعلنت سقوطها.
ومن يعتقد أن التاريخ سيكرر نفسه بالطريقة ذاتها، عليه أن يتذكر أن لكل بلد خصوصيته، وأن من أخطر الأخطاء أن تدخل معركة جديدة بعقلية حرب قديمة.
السعودية أمام اليمن، لا أمام بغداد، ومن لم يفهم هذه الحقيقة بعد كل هذه السنوات، فالمشكلة ليست في اليمن، وإنما في الحسابات التي ما زالت تُبنى على وهم الانتصار قبل أن يتحقق على الأرض.