❗خاص ❗️sadawilaya❗
جهينة مهدي
قال تعالى في سورة القصص: "إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ".
هذه الآية وحدها تلخص الحكاية كلها، حكاية فرعون الأمس وفرعون اليوم.
فرعون موسى علا في الأرض، بنى الأهرامات، جمع السحرة، قال "أنا ربكم الأعلى"، وقسّم الناس، وجعل طائفة مستضعفة يذبح أبناءها ويستحيي نساءها. كان يظن أن قوته ستدوم إلى الأبد.
وفرعون اليوم، الاحتلال الإسرائيلي فعل نفس الشيء. علا في الأرض، بنى جداراً من حديد وكاميرات حرارية وأسلاكاً شائكة ومجسات زلزالية ترصد النملة، وجعل أهل غزة هم الطائفة المستضعفة. مليونان وثلاثمائة ألف إنسان في سجن، بلا مطار، بلا ميناء، بلا كهرباء، بلا دواء، بلا سفر. يذبح أبناءهم كل عامين في حرب، ويستحيي نساءهم على الحواجز.
وقال "فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ". هذا ما فعله.
استخف بأهل غزة طيلة ما يقارب 73 سنة. قال لهم: أنتم سجناء، أنتم حيوانات بشرية كما وصفهم وزير دفاعه، أنتم مجرد أرقام للمساعدات، سنرمي لكم الطعام من فوق السور، انسوا الأقصى، انسوا فلسطين، انسوا المقاومة، عشتم في سجن كبير ونحن نرمي لكم الطعام من فوق السور، وظن أن السور سيحميه إلى الأبد، وظن أن العالم نسي غزة.
ثم جاء طوفان موسى ليكسر هذا الاستخفاف، وجاء طوفان الأقصى ليكسره مرة ثانية.
قوم موسى خرجوا ليلاً، خائفين، حفاة، لا يملكون سلاحاً. أمامهم البحر بعمقه وظلمته، وخلفهم جيش فرعون بأسلحته وخيله وعجلاته الحربية ودروعه. بالحسابات العسكرية، بنو إسرائيل انتهوا. قالوا لموسى بلهجة اليائس "إِنَّا لَمُدْرَكُونَ". البحر سيغرقنا وفرعون سيذبحنا.
وأهل غزة في 7 أكتوبر 2023 كانوا في نفس المشهد. أمامهم سياج بمليار دولار، يسمونه "الجدار الذكي"، كاميرات حرارية ترى في الليل، رشاشات أوتوماتيكية تطلق النار لوحدها، دبابات ميركافا، طائرات مسيرة، أقمار صناعية، واستخبارات تقول إنها الأقوى في الشرق الأوسط. خلفهم حصار وجوع وقصف وفقر و70% بطالة. بالحسابات العسكرية، غزة انتهت. قال العالم "غزة انتهت، انسوا غزة، اذهبوا إلى التطبيع والخيانة".
لكن الله إذا أراد لشيء أن يكون، جعل المستحيل سبباً، وجعل أضعف الأسباب أقوى من أقوى التكنولوجيا.
في طوفان موسى: عصا خشبية، عصا راعي غنم، ضربت البحر فانفلق. "فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ" جبلان من ماء عن اليمين وعن الشمال، وطريق يابس في الوسط.
في طوفان الأقصى: جرافة زراعية قديمة، جرافة ضربت السياج فانفلق. 60 ثغرة فتحت في السياج في دقيقة واحدة. ليس سحراً، بل إرادة الله لأوليائه المؤمنين. طائرات شراعية بدائية من قماش وخشب، عبرت فوق أغلى سياج في العالم. دراجات نارية دخلت على قواعد عسكرية فيها دبابات بملايين الدولارات. فرعون غرق لأنه اعتمد على قوته ونسي أن القوة والجبروت لله. قال "أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي". فأغرقه الله في نفس الماء الذي كان يفتخر به. جيش الاحتلال سقط لأنه اعتمد على التكنولوجيا ونسي أن صاحب الأرض لا يُهزم بالتكنولوجيا. كان يفتخر بسياجه الذكي، فهدمه الله بجرافة بسيطة لا تملك ذكاءً اصطناعياً.
أما وجه الشبه الأعمق:
طوفان موسى لم يكن هدفه إغراق فرعون فقط، كان هدفه إحياء أمة بني إسرائيل بعد 400 سنة عبودية، نسوا أنهم أحرار، نسوا أنهم بشر، كانوا يحتاجون لمعجزة ليتذكروا أنهم يستطيعون.
وطوفان الأقصى لم يكن هدفه كسر السياج فقط، كان هدفه إحياء أمة. الفلسطينيون بعد 75 سنة نكبة، و30 سنة أوسلو فاشل، و17 سنة حصار، بدأ العالم ينساهم، وبدأوا هم أنفسهم يشكون. كانوا يحتاجون لمعجزة ليتذكروا أن المقاومة ممكنة.
أما الفرق الوحيد: موسى عبر ببني إسرائيل إلى الحرية، وأخذهم إلى التيه 40 سنة ليتعلموا الحرية. وأهل غزة عبروا ليأخذوا حريتهم بأيديهم، حتى لو ليوم واحد، حتى لو كان الثمن غالياً، حتى لو دفعوا بعده حرباً؛ فالتحرر أغلى والكرامة لا تُساوم، حتى وإن دُمّرت 90% من بيوتهم. لأن الحر يفضل أن يموت واقفاً على أن يعيش جاثياً.
لهذا سموه طوفاناً؛ لأنه كطوفان نوح وموسى، لا يأتي ليدمر فقط، بل ليطهر الأرض من وهم أن الظلم يمكن أن يستمر إلى الأبد.
قال الله سبحانه وتعالى بعدها مباشرة: "وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ".
وكل طوفان بعده نجاة للمستضعفين، وغرق للطغاة.