
❗️صدى الولاية |الباحث في العلاقات الدولية والإسلامية الدكتور حسين حمية❗️
من أروقة فيينا النووية إلى مضيق هرمز، وصولًا إلى خنق التجارة الدولية عند باب المندب، تدور واحدة من أعقد «طاولات الشطرنج الجيوسياسية» في القرن الحادي والعشرين.
إنها استراتيجية «النفس الطويل»، ودستور الحرب النفسية والدبلوماسية الهادئة التي تمارسها إيران، وصولًا إلى محاولة التأثير في الحسابات السياسية والانتخابية الأميركية والإسرائيلية، وإعادة رسم خريطة التجارة وأمن الطاقة.
«من كاسر الدهر غصّ، ومن لجّ صُرع».
لقد لجأ بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب إلى سياسة حافة الهاوية والكسر المباشر، ما جعل إطالة أمد الحرب على إيران تتحول، مع مرور الوقت، إلى استنزاف مالي وسياسي داخلي. كما قاد التجرؤ على منازعة إيران إلى نتيجة مهمة مفادها أن القوة، من دون قراءة العواقب، قد تصبح المقتل الحقيقي للمشاريع الكبرى.
«إذا هممتم بأمر فتدبروا عاقبته».
فالنصر في صراع العمالقة، وفق هذه القراءة، لا يعود فقط لمن يملك مخزونًا أكبر من السلاح، بل لمن يملك قدمًا أثبت في الأرض ونفسًا أطول في إدارة المضائق والممرات.
«فثبّت في الأرض قدمك، وأعر الله جمجمتك».
فالضربة الخاطفة أو الصفقة السريعة لم تحسم الأمور كما تصور ترامب ونتنياهو. وهما، وفق هذا التحليل، يواجهان اليوم تداعيات حرب طويلة لم تتضح لها استراتيجية خروج نهائية، فيما انعكست المواجهة على الاقتصاد العالمي، وتحولت المعركة مع طهران إلى استنزاف طويل المدى.
وتقوم «شطرنج طهران»، وفق هذه المقاربة، على التحكم بإيقاع الزمن من فيينا إلى باب المندب، وترك الخصم يواجه نتائج اندفاعه رغم حجم الترسانة التي يمتلكها.
ويستند هذا النهج إلى إدراك إيراني بأن إضعاف ترامب ونتنياهو سياسيًا لا يتحقق فقط عبر مواجهة مباشرة، بل من خلال استنزاف الخصم اقتصاديًا وجيوسياسيًا، ضمن ما يمكن تسميته «التوريط المستمر في بورصة السقوط».
وهنا تحضر حكمة للإمام علي (ع): «إذا أمكنتك الفرصة فانتهزها، فإن إضاعتها غصة».
وتحاول إيران استثمار الفرص واستهداف نقاط الضعف الاستراتيجية لدى خصومها، مع التركيز على الرؤوس السياسية الأكثر تشددًا في الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.
وتسعى طهران، وفق هذه القراءة، إلى الضغط على المصالح الأميركية في المنطقة من دون الانزلاق بالضرورة إلى مواجهة شاملة، مراهنة على أن استمرار الحرب وكلفتها قد ينعكسان على صورة ترامب داخليًا وعلى حساباته السياسية والانتخابية.
وفي المقابل، أدت حرب الاستنزاف الطويلة والمكلفة على جبهات متعددة إلى ضغوط كبيرة داخل الكيان الصهيوني، اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا، في ظل استمرار الجدل الداخلي حول قدرة القيادة على تحقيق أهداف الحرب المعلنة.
وهكذا تحاول طهران وضع ترامب ونتنياهو أمام «بورصة الأزمات الداخلية».
الخنق الاقتصادي
لا يشهد الشرق الأوسط مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل صراعًا بين استراتيجيات ومشاريع انعكست تداعياته على الاقتصاد العالمي، خصوصًا من خلال ارتفاع كلفة التأمين البحري، واضطراب أسعار الطاقة، وإبقاء سلاسل التوريد تحت ضغط مستمر.
ولا يستهدف هذا الخنق الاقتصادي البطيء، وفق هذه الاستراتيجية، شل الحركة العالمية بالكامل بقدر ما يهدف إلى إرهاق الخصوم سياسيًا وشعبيًا نتيجة التضخم وارتفاع الأسعار.
وتحاول إيران بذلك تحويل الحصار إلى أداة ضغط، والمضائق والممرات المائية إلى أوراق تفاوض، ضمن استراتيجية تقوم على الصبر والتخطيط بعيد المدى وتجنب الصدام الذي قد يؤدي إلى خسارة المكتسبات.
إنها محاولة لتحويل الصراع إلى «معركة استنزاف مفتوحة»، واستخدام عامل الزمن في مواجهة استراتيجية «الضغط الأقصى» التي اعتمدها دونالد ترامب، بالتوازي مع إبقاء الجبهة الداخلية الإسرائيلية تحت ضغط أمني واقتصادي مستمر.
ويحاكي هذا التكتيك مبدأ ضبط النفس، وتجنب الاندفاع، وانتظار اللحظة التي تتراكم فيها أخطاء الخصم وتداعيات تورطه.
«لا يفوتنك نصر الغد بشك اليوم».
وتحاول إيران اليوم التأثير في البيئة السياسية المحيطة بالانتخابات الأميركية والإسرائيلية، مستفيدة من استمرار الحرب وتداعياتها الاقتصادية والأمنية، فيما تواجه مشاريع إعادة تشكيل المنطقة تحديات متزايدة بفعل تعدد الجبهات وتشابك المصالح الدولية والإقليمية.
إنها «مباراة الشطرنج الإيرانية الكبرى»، وفق هذه القراءة، حيث لا تتحرك الأحجار فقط في ساحات القتال، بل في الاقتصاد والطاقة والممرات البحرية والدبلوماسية والسياسة الداخلية للدول.
والنتيجة التي يطرحها هذا التحليل هي أن الصراع لم يعد محصورًا في تحديد من يمتلك القوة العسكرية الأكبر، بل أصبح مرتبطًا بمن يستطيع إدارة الوقت والكلفة والضغط الاقتصادي والجيوسياسي لفترة أطول، ومن ينجح في تجنب الوقوع في «بورصة السقوط الاستراتيجي».