❗خاص ❗️sadawilaya❗
بقلم: د.نجيبة محمد مطهر
اليمن صنعاء
في مثل هذا اليوم، قبل 26 عاماً، استشهد الطفل محمد الدرة في حضن أبيه عند مفترق نتساريم في غزة. مشهد وثقته كاميرا فرنسية ورآه مليار إنسان. طفل خلف برميل، وأب يصرخ "ابني.. ابني"، ورصاص قناص إسرائيلي ينهي الحكاية.
ماذا حدث بعدها؟
لم يعقد مجلس الأمن جلسة طارئة. لم تقلع مقاتلة واحدة. لم يصدر إنذار عالمي. بل على العكس، بعد سنوات خرجت نفس القنوات التي بثت استشهاده لتستضيف محللين إسرائيليين يقولون: الفيديو مفبرك، والأب قتل ابنه. حولوا الضحية إلى متهم، والقاتل إلى ضحية تشكيك.
وقبل ساعات فقط، ضج العالم كله لطائرة إسرائيلية أقلعت من دبي وأرسلت الرمز 7700 ثم 7500 فوق الأردن. خلال ساعتين، رويترز و AP و CNN في حالة استنفار. مقاتلات إسرائيلية في الجو، واجتماع أمني طارئ لنتنياهو، والأردن والسعودية تفتح أجواءها.
ثم تبينت الحقيقة المضحكة المبكية: لم يكن اختطافاً، بل شجاراً بين طيارين داخل القمرة، ضرب أحدهما الآخر حتى فقد الوعي.
انتهت مسرحية الطائرة، لكنها أدت مهمتها: رسخت صورة أن أمن إسرائيل هو أمن المنطقة، وأن 100 راكب إسرائيلي أهم من شعب كامل.
لماذا يُنسى الدرة وتُذكر الطائرة؟
أولاً: من يملك زر الإنذار. إسرائيل تملك كود طوارئ عالمي يسمعه كل برج مراقبة. الفلسطيني لا يملك إلا صرخة أب خلف برميل إسمنتي.
ثانياً: عنصرية الإعلام. الإعلام الغربي يتعامل مع الإسرائيلي كـ "مواطن منا" يستحق البث المباشر، ومع الفلسطيني كـ "رقم في نشرة" يمكن تجاوزه.
ثالثاً: التطبيع الإعلامي. خبر الطائرة يخدم رواية "أمن الخليج وإسرائيل واحد"، لذلك ضخمته كل القنوات المطبعة. ذكرى الدرة تخدم رواية المقاومة، لذلك يتم دفنها.
رابعاً: التعود على قتلنا. العالم تعود أن يرى طفلاً فلسطينياً يموت، فلم يعد خبراً. لكنه لم يتعود أن يرى إسرائيلياً في خطر ولو لدقائق.
محمد الدرة لم يمت مرة واحدة. مات مرتين: مرة برصاص الجندي في غزة، ومرة بصمت العرب وتجاهل العالم.
والطائرة الإسرائيلية لم تكن في خطر أبداً، لكن ضجتها كانت رسالة سياسية واضحة: انظروا كيف نحمي إسرائيلياً واحداً، بينما لا أحد يحمي آلاف الأطفال الفلسطينيين في سجون عوفر والدامون، وتحت قصف غزة.
هذه هي ازدواجية المعايير التي يراها كل يمني وكل فلسطيني كل يوم، والتي لن تغيرها بيانات الشجب، بل موقف حر يكسر هذا الميزان الأعوج.