❗خاص ❗️sadawilaya❗
علي مرتضى
في الحروب الحديثة، لا تدور المواجهة على الجبهات العسكرية وحدها فإلى جانب الغارات والتحركات الميدانية، تجري معركة أقل ظهوراً وأطول أمداً على المصطلحات التي تُستخدم لوصف الأطراف والأفعال، وهي معركة تحدد في نهاية المطاف الطريقة التي يُقرأ بها الصراع نفسه ومن يملك تعريف الخصم يملك جزءاً من الحكاية قبل أن تبدأ.
تسجيل مصوّر يظهر فيه عدد من الأسرى اللبنانيين وهم يدلون بإفادات أمام محققين إسرائيليين، ويستخدم فيه المحقق لفظ "مُخَرِّب" في مخاطبة الأسرى الأمر الذي قد يبدو عادياً لكن هنا يبرز سؤال اخطر .. لماذا مخرب ؟؟ رم أن البدائل حاضرة: "إرهابي"، أو «مجرم»، أو «مقاتل»، أو «أسير». وكل منها يحمل حمولة قانونية وسياسية مختلفة.
فـ«المجرم» يُعرَّف بجريمة محددة، و«الإرهابي» بفعل يُصنَّف وفق تشريعات تختلف بين دولة وأخرى، أما «الأسير» فتصف الكلمة حالة قانونية تنشأ عن سياق نزاع مسلح، وتستدعي في الأدبيات الدولية منظومة حقوق، أما «المُخَرِّب» فتصف الشخص بوظيفته المفترضة لا بفعل بعينه.
وهنا يكمن الفارق الجوهري. فالكلمات الأولى تنسب إلى الشخص فعلاً يمكن إثباته أو نفيه أو الجدال حوله أمام جهة قضائية. أما «المخرّب» فتنسب إليه صفة ملازمة، كأن التخريب هو ماهيته لا ما ارتكبه وينتقل الوصف بذلك من مستوى الواقعة إلى مستوى الهوية.
الدلالة الأبرز تظهر حين يُنظر إلى مصدر اللفظ فهو لا يقتصر على المحقق في غرفة الاستجواب، إنما يتردد، وفق ما يلاحظ متابعون، على لسان حكومة الكيان، أي في المستويات الأمنية والسياسية العليا.
هذا التطابق بين المحقق والحكومة يجعل من الصعب قراءة الكلمة بوصفها اختياراً فردياً أو زلة لسان في تسجيل بعينه فحين يتكرر المصطلح نفسه على امتداد السلسلة، من الميدان إلى مكتب القرار، فإنه يبدو أقرب إلى إطار لغوي مشترك تعمل به المؤسسة كلها.
وقد يرى مستخدمو المصطلح أنه توصيف أمني اعتيادي لا يحمل بالضرورة بعداً سياسياً مقصوداً، فالمؤسسات الأمنية تنتج مصطلحات تنتقل بالعادة لا بالقرار غير أن وحدة اللفظ بين مستويات متعددة تجعل أثره تراكمياً في الحالتين، سواء أُريد به ذلك أم لم يُرَد فالأداة اللغوية قد تعمل حتى حين لا يُقصد بها ذلك، وحين تصدر من أعلى الهرم إلى أسفله تكتسب وزناً لا تملكه كلمة يقولها فرد.
ولا يقتصر هذا النمط على الخطاب الإسرائيلي فحسب فالتاريخ حافل بأمثلة على أنظمة وجيوش اعتمدت مفردات تنزع الطابع السياسي عن الخصم، من «العصابات» و«الخارجين على القانون» إلى «المتمردين» و«العناصر المندسّة» وما يميز هذه المفردات أنها تعمل بالتراكم لا بالحجة، فالتكرار المنتظم للكلمة نفسها في الاستجوابات والتصريحات والبيانات يرسّخ إطاراً ذهنياً يتحول مع الوقت إلى بديهية لغوية لا يلتفت إليها المتلقي.
استخدام هذا اللفظ يراد منه أن يُعرَّف بأن الآسير مصدر خراب يصبح التعامل معه، في الوعي العام، أقرب إلى مسألة حماية وصيانة منه إلى مواجهة بين طرفين وقد يعكس ذلك، محاولة لتخفيف الكلفة الأخلاقية لأي إجراء يُتخذ بحقه، إذ يسهل تبرير التشدد مع "خراب" يجب احتواؤه أكثر مما يسهل تبريره مع إنسان له قضية.
ويزداد وزن المسألة حين يُنشر المقطع في مواد مصوّرة موجّهة إلى جمهور واسع فالصورة تقدم الشخص في موقع ضعف، وتسمية المحقق تحدد للمشاهد كيف ينبغي أن يقرأه، ويتقاطع ذلك مع نقاش أوسع في القانون الدولي الإنساني حول تصوير الأسرى ونشر إفاداتهم، تتباين فيه المواقف بين من يرى أن النشر يمس بالكرامة والحماية المقررة للمحتجزين، ومن يعتبره جزءاً من التوثيق الأمني.
أما الأثر الإنساني فيتجاوز الأسير نفسه فحين يُختزل إنسان في صفة واحدة، تُختزل معه عائلته وبيئته وروايته، ويصبح الحديث عن حقوقه أو ظروف احتجازه أقل قدرة على استدعاء التعاطف ومع الوقت تتحول قضايا الأسرى من ملفات إنسانية وقانونية إلى بنود في سجل أمني.
أن الخلاف لا يدور حول كلمة بعينها بقدر ما يدور حول من يملك سلطة التسمية، ولمن تُصاغ، وما الذي تفترضه سلفاً ففي المحصلة، يقدم هذا المثال نموذجاً مصغراً لما يجري في النزاعات المعاصرة، حيث تتحول اللغة إلى جبهة قائمة بذاتها فاختيار مفردة واحدة قد يبدو تفصيلاً في استجواب، لكن اتساقها بين المحقق والوزير ورئيس الحكومة يوحي بأنها جزء من معجم رسمي يحدد ما إذا كان الخصم طرفاً في صراع أو حرب أم عنصراً يُزال من المشهد.
ومع أن الجزم بنوايا من يستخدم المصطلح يظل خارج ما تتيحه المعطيات، فإن الأثر المتراكم لهذه التسمية يستحق القراءة الدقيقة وقد يكون السؤال الأبقى، في ظل تسارع تداول المواد المصوّرة، هو كم من المتلقين سيتوقف عند الكلمة قبل أن تستقر في وعيه وتصبح جزءاً من الرواية فالمعركة اليوم ليست على الأرض فحسب إنما أيضا على الكلمة وعلى المعنى الذي يراد أن يزرع في رأسك من خلالها.
علي مرتضى