❗خاص ❗️sadawilaya❗
إيران بعيون العالم | الحلقة الثانية: إيران بعيون برافين ساوهني
صدى الولاية | إعداد وتحرير: ماجدة عباس الموسوي – رئيس تحرير موقع صدى الولاية الإخباري
ليست كل القراءات الدولية للحرب على إيران مكتوبة من واشنطن، ولا كل التحليلات تنطلق من الافتراض الغربي التقليدي بأن التفوق العسكري الأميركي يعني بالضرورة القدرة على فرض النتيجة السياسية.
من الهند، يقدم الكاتب والمحلل العسكري برافين ساوهني (Pravin Sawhney) قراءة مختلفة جذرياً.
ساوهني، رئيس تحرير مجلة FORCE والمتخصص في الشؤون العسكرية والجيوسياسية الآسيوية، ينظر إلى المواجهة مع إيران من داخل سؤال أكبر: ماذا يحدث عندما تواجه قوة عسكرية عالمية دولةً لا تحاول التفوق عليها سلاحاً بسلاح، وإنما تبني استراتيجيتها على جعل استخدام تلك القوة مكلفاً وغير قادر على تحقيق الحسم؟
في أحدث ظهور له في 28 أيلول/سبتمبر 2026، تناول ساوهني التصعيد في مضيق هرمز بعد رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب المقترح الإيراني لخفض التصعيد. وفي قراءته، لم يعد المضيق مجرد ممر لنقل النفط، بل تحوّل إلى إحدى أهم ساحات اختبار القوة بين إيران والولايات المتحدة.
إيران لا تحتاج إلى هزيمة أميركا عسكرياً
هذه ربما أهم فكرة في قراءة ساوهني.
إيران، وفق منطقه، ليست مطالبة بإغراق الأسطول الأميركي أو تحقيق «نصر تقليدي» على القوة العسكرية الأكبر في العالم.
يكفي أن تستطيع رفع كلفة استمرار الحرب إلى مستوى يصبح معه تحقيق الأهداف السياسية الأميركية أكثر صعوبة من تحمل واشنطن للكلفة العسكرية والاقتصادية والسياسية للمواجهة.
من هنا ينظر ساوهني إلى الصواريخ الإيرانية والمسيّرات والقدرات البحرية والجغرافيا المحيطة بمضيق هرمز بوصفها أجزاء من منظومة واحدة.
فالسؤال بالنسبة إليه ليس فقط: كم صاروخاً تمتلك إيران؟
بل: كم صاروخ اعتراض تحتاج الولايات المتحدة في المقابل؟ وكم تبلغ كلفته؟ وكم تستطيع الصناعة العسكرية الأميركية تعويض ما يُستهلك؟
وهنا تلتقي قراءة ساوهني مع نقاش أوسع بدأ يظهر في الدراسات العسكرية الأميركية نفسها حول استنزاف مخزونات الدفاع الجوي والذخائر بعيدة المدى.
هرمز: الجغرافيا التي لا تستطيع حاملات الطائرات تغييرها
يولي ساوهني مضيق هرمز أهمية استثنائية.
فالقوة الأميركية تستطيع نقل حاملات الطائرات والقاذفات والقواعد الجوية، لكنها لا تستطيع تغيير الجغرافيا.
إيران تطل على الساحل الشمالي للمضيق والخليج، وتمتلك شبكة واسعة من المنظومات الساحلية والصاروخية والمسيّرات والقوات البحرية.
ولهذا يرى ساوهني أن طهران استطاعت تحويل الجغرافيا إلى مضاعِف للقوة.
وفي تحليله الأخير، ذهب إلى أن تطور القدرات الإيرانية المضادة للسفن يجعل الاقتراب العسكري الأميركي من المجال الإيراني أكثر تعقيداً مما توحي به المقارنة التقليدية بين حجم الجيشين.
لكن من الضروري هنا الفصل بين الوقائع والتقديرات.
وجود ترسانة إيرانية كبيرة ومتنوعة من الصواريخ والمسيّرات وقدرات مضادة للسفن حقيقة موثقة على نطاق واسع. أما ساوهني فيرى ان بعض الصواريخ الإيرانية اثبتت انها قادرة على تجاوز الدفاعات الأميركية .
ساوهني: إيران ليست معزولة
النقطة الثانية في قراءته تتجاوز ميدان الحرب.
فإيران، في نظره، لم تعد تواجه الولايات المتحدة ضمن النظام الدولي الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفياتي، عندما استطاعت واشنطن حشد جزء كبير من العالم خلف سياساتها وعقوباتها.
اليوم هناك صين مختلفة، وروسيا مختلفة، ونظام دولي يتحرك تدريجياً نحو تعددية أكبر في مراكز القوة.
عاد ساوهني أخيراً من منتدى شيانغشان في بكين، وهو من أهم المنتديات الأمنية الصينية، وكانت إحدى خلاصاته أن الاعتقاد بأن الرئيس الصيني شي جين بينغ سيضغط على إيران تنفيذاً لرغبة ترامب يتجاهل طبيعة الحسابات الصينية الحالية.
بالنسبة إلى بكين، إيران ليست مجرد ملف شرق أوسطي.
إنها جزء من بيئة استراتيجية ترتبط بالطاقة، والممرات التجارية، والمنافسة مع الولايات المتحدة، والعلاقة مع روسيا، ومستقبل النفوذ الأميركي في آسيا وغربها.
لكن هذا لا يعني وجود «تحالف عسكري صيني–إيراني» بالمعنى التقليدي. الصين تتحرك وفق مصالحها الخاصة، وقد تختلف مع طهران في ملفات عديدة.
الجديد، وفق هذه القراءة، هو أن واشنطن لم تعد قادرة على افتراض أن بكين ستساعدها تلقائياً على عزل إيران عندما تطلب منها ذلك.
إيران والحرب على الهيمنة
في قراءات ساوهني السابقة للحرب ظهر مفهوم أكثر اتساعاً: المواجهة الإيرانية لا تختبر القوة العسكرية الأميركية فقط، وإنما تختبر أيضاً البنية الاقتصادية التي رافقت تلك القوة.
فالنفط، والدولار، والعقوبات، والممرات البحرية، والقدرة على التحكم بالتجارة العالمية كانت لعقود أجزاء مترابطة من النفوذ الأميركي.
ولهذا يولي ساوهني أهمية لما يجري في هرمز.
إذا أصبحت دولة خاضعة لعقوبات أميركية واسعة قادرة على التأثير في واحد من أهم شرايين الطاقة العالمية من دون أن تتمكن واشنطن سريعاً من إخضاعها، فإن المشكلة، في قراءته، تتجاوز إيران.
إنها تمس صورة القوة الأميركية نفسها.
وهذا لا يعني أن الدولار انهار أو أن الهيمنة الأميركية انتهت. مثل هذه الخلاصات ستكون أكبر من الوقائع المتاحة.
لكن ساوهني يرى أن الحرب تكشف حدوداً للقوة الأميركية كان يصعب تصورها في مرحلة الأحادية القطبية.
المفارقة الصينية
وهنا تصل قراءة ساوهني إلى واحدة من أكثر النقاط إثارة، الولايات المتحدة تعتبر الصين منافسها الاستراتيجي الأول، لكن كل صاروخ دفاع جوي متطور يُستهلك في غرب آسيا، وكل قطعة بحرية تحتاج إلى البقاء في المنطقة، وكل قدرة صناعية تُستخدم لتعويض ذخائر الحرب، هي موارد لا تكون متاحة بالقدر نفسه في مسرح المحيطين الهندي والهادئ، وبذلك تظهر مفارقة استراتيجية: واشنطن تخوض حرباً لإضعاف إيران، فيما قد يؤدي استمرار هذه الحرب إلى استهلاك موارد تحتاج إليها أصلاً في المنافسة مع الصين، وهذه ليست دعاية إيرانية، مسألة مخزونات الذخائر وسرعة تعويضها أصبحت موضوعاً معلناً في النقاش العسكري والاستراتيجي الأميركي نفسه، الخلاف الحقيقي يدور حول حجم الاستنزاف ومدى تأثيره في الجاهزية الأميركية لمواجهة أزمات أخرى.
ما الذي فهمته إيران؟
بحسب قراءة ساوهني، أحد أهم عناصر القوة الإيرانية هو أنها لا تحاول خوض الحرب بالطريقة التي تريدها الولايات المتحدة، فالدخول في مواجهة تقليدية مفتوحة تقوم على الطائرات مقابل الطائرات والأساطيل مقابل الأساطيل سيمنح واشنطن أفضلية هائلة، أما توزيع القوة بين الصواريخ والمسيّرات والمنصات المتحركة والتحصينات والجغرافيا والممرات البحرية والضغط الاقتصادي، فيحوّل المواجهة إلى حرب قدرة على الاحتمال.
وهنا تصبح المعادلة مختلفة:
ليس من يستطيع توجيه الضربة الأكبر؟
بل من يستطيع الاستمرار أطول، ومن يستطيع تحمل الكلفة، ومن يستطيع منع خصمه من تحويل تفوقه العسكري إلى نتيجة سياسية؟
إيران بعيون ساوهني
لا يقدم برافين ساوهني إيران باعتبارها قوة لا تُقهر، ولا تعني قراءته أن الولايات المتحدة فقدت تفوقها العسكري الهائل، ما يقوله أكثر دقة وأهمية: التفوق العسكري لا يساوي تلقائياً القدرة على الإخضاع السياسي.
وإيران، في هذه القراءة، بنت جزءاً مهماً من استراتيجيتها على هذه الفجوة تحديداً.
واشنطن تستطيع ضرب إيران بقوة هائلة.
لكن السؤال الذي تتركه تجربة الحرب مفتوحاً هو:
هل تستطيع أن تجعل إيران تقبل بالنظام الإقليمي الذي تريده واشنطن وكيان العدو الإسرائيلي؟
بالنسبة إلى ساوهني، ما ظهر حتى الآن يشير إلى أن الإجابة أصعب بكثير مما توقعه مخططو الحرب،وهنا تتجاوز قصة إيران حدودها. لأن الصين تراقب، وروسيا تراقب، وكوريا الشمالية تراقب، والجيوش في مختلف أنحاء العالم تدرس كلفة الصاروخ الإيراني، وكلفة الصاروخ الذي يُطلق لاعتراضه، والوقت اللازم لتعويض الاثنين.
وهكذا تتحول إيران، في قراءة برافين ساوهني، من دولة يراد إخضاعها بالعقوبات والقوة العسكرية إلى مختبر عالمي لسؤال أكبر: هل ما زالت الولايات المتحدة قادرة على تحويل تفوقها العسكري والمالي إلى إرادة سياسية ملزمة لبقية العالم؟
وهذا هو السؤال الذي يجعل إيران اليوم، بالفعل، في قلب التحول الجاري في النظام الدولي.
إعداد وتحرير: ماجدة عباس الموسوي
رئيس تحرير موقع صدى الولاية الإخباري
المصادر الأساسية للحلقة: أحدث تحليل لبرافين ساوهني حول إيران وهرمز، 28 أيلول/سبتمبر 2026؛ وقراءته السابقة حول الحرب وتراجع التفوق الأميركي والنظام النفطي–الدولاري.
المصدر الأحدث الذي بنيت عليه الحلقة هو حوار ساوهني المنشور في 28 أيلول 2026 حول إيران وهرمز، مع الاستفادة من قراءته السابقة المنشورة في تموز حول أثر الحرب في التفوق الأميركي والنظام النفطي.
المادة الجديدة لبرافين ساوهني – 28 أيلول 2026
قراءة ساوهني عن إيران وتراجع التفوق الأميركي