❗️sadawilaya❗
ليس غريبًا على من اعتادوا العيش في ظلال الهوامش أن يستنفدوا أدواتهم في تسخيف المواقف المبدئية، ولا أن يتحول السجال السياسي في أروقة الشاشات والصحف المطبعة إلى استعراض مجاني لبيع الأوهام. فعندما يقف من يحمل أمانة التاريخ ليدافع عن مسيرة خُطت بالدم والضمير، يخرج من ارتضوا التبعية ليتهموا الشرفاء بتناسي "هموم الشعب"، وكأن الشعب بالنسبة إليهم مجرد أرقام واستهلاك، لا كرامة له ولا أرض ولا وجود .
إن محاولة اختزال قضايا الوجود في "سعر كيلو اللحمة" أو تقلبات الأسواق ليست مجرد قراءة اقتصادية قاصرة، بل هي سلوك يهدف إلى مقايضة السيادة باللقمة، والأرض بالرخاء الزائف.
يعتقد هؤلاء أن كرامة الأكف التي صانت العرض وحمت الحدود منذ الطلقة الأولى في عين بنيّة وصولاً إلى محطات التحدي الصامد في آذار 2026 وما بعده، هي مجرد تفصيل يمكن مساومته. ينسون أو يتناسون أن لحم الأعراض وصون التاريخ ليس سلعة في سوق النخاسة الإعلامية، وأن من يعتقد أن الرغيف يُغني عن الوطن المرفوع الرأس لم يفهم يوماً معنى أن تكون إنساناً حراً على أرضك.
إن من حملوا هموم الناس الحقيقية لم يسقطوا يوماً كرامة العيش من حساباتهم، لكنهم رفضوا أن يكون هذا العيش ذليلاً. فالخيار لم يكن يوماً بين الخبز والكرامة، بل بين خبزٍ يُؤكل بعزة وخبزٍ يُغمَس في الهوان. وسيبقى صوت الحق وصوت الأرض أثقل في ميزان التاريخ من كل الأطروحات السطحية، لأن الأوطان لا تبنيها المساومات، بل يحميها من يقفون بثبات حين تتهاوى المبادئ لقد تداعى البعض واجتمعوا كما اجتمع "إخوة يوسف" على مكون وطني أصيل لم يفعل سوى أنه أرجع لهذا الشرق بعضاً من كبريائه الجريح. والقصة ليست خلافاً محلياً عابراً، بل هي الجذور العميقة لأزمة هذا الشرق المكلوم الذي يئن تحت وطأة نظام إلغائي يشرّع لنفسه ما يحظره على غيره؛ يمنح نفسه حق القتل والتوسع ومصادرة القرار، ويحرم على أصحاب الأرض حق الحياة والدفاع عن الوجود. هذا النظام الإلغائي ومن يدور في فلكه من أبواق تسعى إلى تدجين الوعي، لا يرى في الإنسان الآخر إلا كائناً يخاف على يومه وينسى غده.