❗خاص ❗️sadawilaya❗
أحلام الصوفي
لم يكن الساحل الغربي يوماً مجرد شريط جغرافي على خارطة اليمن، ولم يكن باب المندب مجرد ممر مائي تعبره السفن، بل تحوّل إلى واحدة من أكثر الساحات حساسية وأهمية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية، وتتصادم المشاريع والرهانات، ويصبح الموقع جزءاً أساسياً من معركة السيادة والقرار.
ومن هذه الجغرافيا الحساسة، برز حضور القوات المسلحة اليمنية باعتباره عاملاً غيّر كثيراً من الحسابات التي كانت تُبنى على أساس أن البحر الأحمر والساحل الغربي يمكن أن يكونا مساحة مفتوحة أمام الأعداء والمرتزقة دون تكلفة أو ردع.
لقد أثبتت التطورات الميدانية أن اليمن لا ينظر إلى معركته باعتبارها مواجهة محدودة في البر، بل باعتبارها معركة متكاملة تمتد حيث تمتد مصالح الأعداء وأدواتهم ومرتزقتهم. ومن هنا اكتسب الساحل الغربي وباب المندب أهمية استثنائية في معادلة الردع اليمنية.
فحين تمتلك دولة موقعاً استراتيجياً بهذا الحجم، فإن الدفاع عنه لا يكون دفاعاً عن مساحة من الأرض فحسب، وإنما دفاعاً عن بوابة بحرية تمس أمنها الوطني ومصالحها وسيادتها. ولذلك جاءت الرسالة اليمنية واضحة: لا يمكن للأعداء والمرتزقة فرض معادلاتهم بالقوة، ولا يمكن تحويل الجغرافيا اليمنية إلى منصة لخدمة المشاريع الخارجية.
إن ما تحقق في الساحل الغربي وباب المندب لم يكن مجرد أحداث عسكرية متفرقة، بل نتيجة تراكم طويل في بناء القدرات والخبرة والقدرة على التعامل مع بيئة جغرافية معقدة. ومع مرور الوقت، انتقلت المعركة من محاولة فرض الأمر الواقع على اليمن إلى واقع جديد أصبح فيه الأعداء ومرتزقتهم مضطرين إلى حساب الرد اليمني قبل الإقدام على أي خطوة.
وهنا تكمن أهمية الانتصار الحقيقي؛ فالانتصار لا يُقاس فقط بعدد المواقع التي يتم السيطرة عليها أو حجم العمليات المنفذة، وإنما بقدرة القوة على تغيير سلوك العدو وإعادة تشكيل حساباته.
لقد أصبح الساحل الغربي جزءاً من معادلة يمنية أوسع، وأصبح باب المندب حاضراً بقوة في حسابات المنطقة والعالم. وهذه الحقيقة لم تأتِ من فراغ، وإنما فرضتها سنوات من الصراع والتجربة والمواجهة، وصولاً إلى امتلاك اليمن أدوات تجعله قادراً على حماية مصالحه وفرض حضوره في محيطه البحري.
والأهم من ذلك أن هذه المعادلة أسقطت وهماً ظل طويلاً قائماً، وهو أن الموقع الجغرافي يمكن أن يكون كافياً وحده لمنح الأعداء والمرتزقة القدرة على التحكم باليمن. فالموقع الاستراتيجي لا يتحول إلى مصدر قوة إلا عندما تحميه إرادة سياسية وعسكرية قادرة على الدفاع عنه.
وفي باب المندب تحديداً، تتضح الصورة أكثر. فهذا الممر الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي يحمل أهمية تتجاوز حدود اليمن والمنطقة، ولذلك أصبحت الرسائل الصادرة من اليمن تُقرأ على مستوى إقليمي ودولي، لا باعتبارها رسائل محلية فحسب.
لقد أدركت القوات المسلحة اليمنية أن امتلاك القدرة يعني أن تكون هناك قدرة على فرض معادلة ردع تجعل العدو ومرتزقته يفكرون جيداً قبل المساس بالسيادة اليمنية أو استخدام السواحل والممرات البحرية ضد اليمن.
وهكذا تحوّل البحر من نقطة ضعف محتملة إلى ورقة قوة، وتحولت الجغرافيا التي ظن الأعداء ومرتزقتهم أنها يمكن أن تكون منفذاً لمحاصرة اليمن إلى مساحة جديدة من مساحات الفعل والتأثير.
إن معركة الساحل الغربي وباب المندب، في جوهرها، هي معركة إرادة قبل أن تكون معركة سلاح. إرادة يمنية تقول إن البلاد التي صمدت أمام سنوات من الحرب والحصار لن تتنازل عن حقها في حماية أرضها ومياهها ومصالحها، وإن القرار الوطني لا يمكن أن يُنتزع بالقوة.
ولذلك فإن ما حققته القوات المسلحة اليمنية في هذه الجبهة يمثل، في الرؤية اليمنية، تحولاً مهماً في طبيعة الصراع. فقد انتقل اليمن من موقع الدفاع عن الأرض إلى امتلاك أوراق قوة وردع تجعل الأعداء والمرتزقة أمام واقع جديد لم يعد بالإمكان تجاهله.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأبرز أن الساحل الغربي وباب المندب لم يعودا مجرد أسماء على الخريطة، بل أصبحا عنواناً لمعركة أثبت فيها اليمن أن الإرادة حين تقترن بالقدرة تستطيع تغيير المعادلات.
ومن الساحل الغربي إلى باب المندب، يواصل اليمن تقديم رسالته الأوضح: من يملك الإرادة والقدرة على الدفاع عن سيادته، يستطيع أن يفرض حضوره مهما كانت قوة الأعداء وكثرة مرتزقتهم ورهاناتهم.