
بقلم الباحث السياسي: د. محمد هزيمة
لم يأتِ تفجير «علي الطاهر» يتيمًا، بل جاء على وقع زلزال إقليمي يمتد من طهران إلى صنعاء، ومن غزة إلى بيروت. ولا يمكن اختزال ما حدث بحادثة أمنية، أو اعتباره «هزيمة ميدانية» يريد العدو تسويقها عنوانًا يخدم حملة نتنياهو الانتخابية.
ما حدث هو إعلان عن مرحلة جديدة في الحرب الإسرائيلية على لبنان، أسقطت وهم «اتفاق الإطار» ونسفت ما تبعه من تسويات، بعدما انتقل العدو الصهيوني مباشرة إلى مرحلة التوغل في العمق.
وهذا المسار يقود حتمًا إلى حرب استنزاف مفتوحة. فبعدما فقدت إسرائيل عامل المفاجأة، وأدركت أن تثبيت وجودها على الأرض مكلف جدًا، اختارت معادلة جديدة تقوم على مبدأ: إذا لم أستطع الاستقرار، فسأمنعك أنت أيضًا من الاستقرار.
هكذا تتحول المواجهة على الجبهة من معادلة الردع إلى معادلة «منع الاستقرار»، في معركة لم تعد محكومة بمن يضرب بقوة أكبر، بل بمن يستطيع منع الآخر من تثبيت نقطة على الأرض.
ومن هنا، يصبح المطلوب من المقاومة منع العدو من تحويل قرية إلى ثكنة، وتلة إلى موقع دائم، أو شريط حدودي إلى حدود معترف بها.
قد تكون الكلفة عالية، لكنها تبقى، وفق هذه المعادلة، الطريقة الوحيدة القادرة على إفشال مشروع «الأمر الواقع» الذي تراهن عليه تل أبيب، ارتباطًا بما يجري على مستوى المنطقة ونتائج تحولاتها الممتدة من المتوسط إلى باب المندب.
لبنان، في هذا المشهد، ليس ساحة منفصلة كما عمل العدو على تصويره والاستفراد به، بل إن بيروت تقع في قلب جبهة موحدة تشتعل حلقاتها معًا.
اليمن يضرب في البحر الأحمر، والعراق جمر تحت الرماد، ولبنان في قلب النار، فيما تبقى إيران جسر عبور نحو مرحلة كسر الهيمنة الأميركية.
إنها معادلة تقول إن كسر حلقة لا يعني كسر السلسلة.
ولهذا السبب، ارتبكت واشنطن وتل أبيب أمام حرب متعددة الجبهات، تجري في توقيت واحد وبأدوات مختلفة، ضمن معادلة جديدة يشكل لبنان بندًا أساسيًا فيها، لكنه ليس البند الوحيد.
هذا الواقع قلب أيضًا موازين الداخل السياسي، وأسقط «اتفاق الإطار»، وعرّى السلطة ودورها الوظيفي، بدءًا من الميدان الذي حطم وهم السياسة وكشف زيفها أمام الداخل.
إنها نتيجة حتمية لانكشاف المشروع الأميركي، الذي أحرج السلطة المرتبطة به، بعدما لم تعد تخفي دورها في إدارة الهزيمة وتسويقها، من خلال مهمة نزع أدوات الردع وتفكيك البيئة الحاضنة، وصولًا إلى تحويل لبنان إلى دولة منزوعة القرار وبلا سيادة.
وهذا ما أعاد لبنان إلى قلب المعادلة، بندًا أساسيًا في «مذكرة إسلام أباد» الجديدة للمنطقة.
فأي تسوية مقبلة لا يمكن أن تُكتب من دون المرور بجنوب لبنان.
من يملك المضائق يملك القرار في شرق أوسط يهتز، فيما تتمزق الخارطة التي رسمتها واشنطن وتل أبيب، وتدخل المنطقة مرحلة تحكمها قاعدة واضحة:
من لا يملك قراره الميداني، لا يملك قراره السياسي.
ومن يسيطر على المضائق، يسيطر على القرار.
لقد انتهى زمن الوكالات، وبدأ زمن «الشريك الذي يدفع الثمن».
والقلم الذي سيعيد رسم خارطة الشرق الأوسط لن يكون أميركيًا هذه المرة.