الاخبار:: ابراهيم الأمين الجمعة 11 أيلول 2026
قد يكون للاستحقاق الانتخابي في كيان الاحتلال دوره في الخطاب السياسي للقوى المتنافسة. ويرى كثيرون، بمن فيهم معارضون لرئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو، أن ما يصرّح به الأخير بات يُقرأ في سياق حملته الانتخابية. وحتى في أماكن بعيدة عن تل أبيب، يسود اعتقاد بأن إسرائيل ليست في وارد، أو ليست قادرة على، فتح جبهات إضافية في المنطقة.
لكن نتنياهو، إلى جانب خبرته الطويلة في الدعاية السياسية، يبدو أنه لا يزال في قلب معركة يعتبر أنه خُلق لقيادتها من أجل تحقيق «انتصار اليهود على أعدائهم». ولذلك، كان لافتاً تحذير مصادر دبلوماسية أميركية من أن كلام نتنياهو الأخير عن لبنان وسوريا وإيران لا يندرج في إطار الحملة الانتخابية فحسب، وأنه يعني ما يقول، ويمارس ضغوطاً كبيرة على الأجهزة الأمنية وقيادة جيشه للاستعداد لعمل خاطف ضد إيران أولاً، وضد حزب الله ثانياً.
وتقول المصادر إن نتنياهو يعرض خدماته أيضاً على دول الجزيرة العربية، عبر إبداء استعداده للمشاركة في حرب شاملة ضد أنصار الله في اليمن. وتضيف أن الضغوط الكبيرة التي تمارسها الإدارة الأميركية عليه تتركّز، في هذه المرحلة، على الملف السوري، بهدف منعه من توسيع دائرة الاحتلال. علماً أن في واشنطن من يسمع الكثير عن نية حكومة تل أبيب اتخاذ خطوات أوسع لمساعدة أنصارها من دروز السويداء على إعلان الانفصال التام عن سوريا.
وبحسب المصادر نفسها، فإن المساعي الإسرائيلية حيال إيران تتركز على برنامج من النشاط الاستخباري الهادف إلى تنفيذ سلسلة من الضربات، والعودة إلى سياسة الاغتيالات التي تستهدف قيادات سياسية وعسكرية وأمنية، عبر عمليات خاصة تُنفّذ داخل إيران، إضافة إلى إعادة الاتصال بالمجموعات الإيرانية الانفصالية لتوفير دعم استثنائي لها من أجل إدارة اضطرابات في مناطق مختلفة من البلاد، وصولاً إلى محاولة استدراج القيادة الإيرانية إلى صدام عسكري، يتيح لإسرائيل شنّ حملة جوية تستهدف البنى التحتية للدولة الإيرانية، ولا سيما قطاعات الطاقة والموانئ والإنتاج النفطي.
وتعرب المصادر عن خشيتها من أن يكون نتنياهو يتصرف وفق تقدير مفاده أن هامش المناورة المتاح أمامه يتسع يوماً بعد يوم، نتيجة تعثر المساعي الرامية إلى إعادة العمل بمذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، كشفت مصادر مطّلعة أن المحادثات الإيرانية - العُمانية وصلت إلى مراحلها النهائية لصياغة آلية لتنظيم الملاحة عبر مضيق هرمز. وبحسب المصادر، جرى الاتفاق على خط سير واحد للذهاب والإياب، يقع في المنطقة المائية الوسطى بين البلدين، على أن يكون ربعه الشرقي في المياه الإقليمية الإيرانية وربعه الغربي في المياه الإقليمية العُمانية. ويُنظر إلى هذا الاتفاق باعتباره ترتيباً مرحلياً لإدارة حركة الملاحة البحرية في المضيق. وقد أنجزت الفرق الفنية والقانونية في طهران ومسقط الخرائط والمواد القانونية الخاصة بالاتفاق، على أن تتضمن آلية لإزالة الألغام البحرية. كما أجرى الجانبان اتصالات مع هولندا بهدف توثيق الاتفاق لدى المنظمة البحرية الدولية والمؤسسات القانونية الدولية التي تتخذ من لاهاي مقراً لها، بما يوفر له غطاءً قانونياً ودولياً.
ووفق المصادر، تتصرف إيران على أساس أن سلطنة عُمان تدير المفاوضات بالتشاور والتنسيق مع الولايات المتحدة ودول المنطقة، وبالتالي فإن أي اتفاق تقبل به مسقط سيكون، من حيث المبدأ، مقبولاً من الأطراف الأخرى. إلا أن إيران أبلغت الوسيطين، الباكستاني والعُماني، بأن تنفيذ الاتفاق بعد توقيعه سيبقى رهن عودة الولايات المتحدة إلى مذكرة التفاهم، واعتبار هذا الحل معالجة لما ورد في البند الخامس منها. ويعني ذلك، أن على الولايات المتحدة إلغاء الحصار البحري المفروض حالياً على إيران، ورفع القيود عن صادرات النفط الإيرانية، إلى جانب رفع العقوبات المفروضة عليها. وفي هذه الحال، يُفترض أن ينتقل الجميع إلى مرحلة جديدة تهدف إلى إنهاء حال الحرب بصورة شاملة، بما يشمل الحرب على لبنان.
عاصم منير إلى طهران وقاليباف وعراقجي إلى الرياض وارتفاع أسعار النفط يشعل الأسواق العالمية وقلق من نتائج سيطرة أنصار الله
على الملاحة
في البحر الأحمر
وبينما تتحدث المصادر عن «إشارات إيجابية» حيال هذا الملف، فإنها تشير في الوقت نفسه إلى أن ما يجري ميدانياً منذ أسبوعين يفتح الباب أمام احتمال جدي لتوسّع الحرب. وترى أن الردود الإيرانية القاسية على الهجمات الأميركية، والقصف المركز للقواعد الأميركية في الخليج والأردن، يهدفان إلى إبلاغ واشنطن بأن طهران ليست مستعدة لتقديم تنازلات، وأن المواجهة قد تتوسع إلى حد منع أي حركة ملاحية في مياه الخليج، وليس فقط منع عبور مضيق هرمز. وتلفت إلى أن الوسطاء الذين يتحركون بين البلدين يمارسون ضغوطاً على الجانبين لوقف المواجهة، ولا سيما بعد ارتفاع سعر النفط عالمياً إلى ما فوق 100 دولار، بما ينطوي عليه ذلك من احتمال تفاقم الأزمة الاقتصادية على مستوى العالم.
ووسط تقديرات متضاربة بشأن حقيقة موقف الإدارة الأميركية، فإن الصعوبات التي تواجه الوسطاء ستكون حاضرة في لقاءات متوقعة في وقت قريب جداً، يعقدها قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران. ولا سيما أن التفاهم على فتح المضيق لا يشكل العنصر الوحيد العالق في المفاوضات. فإيران تريد، مقابل العودة إلى العمل بمذكرة التفاهم، الحصول على ضمانات مؤكدة في ما يتعلق برفع الحصار، والإفراج عن الأموال الإيرانية المحتجزة، إضافة إلى إنهاء حال الحرب بصورة تامة. وهي شروط تتطلب عناصر إضافية قد تكون موضع متابعة مع جهات أخرى.
وتشير المصادر، في هذا الإطار، إلى أن السعودية تؤدي دوراً كبيراً في الوساطات غير المعلنة. وكان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قد تحدث عن هذا الدور خلال لقاءات عقدها على هامش زيارته إلى فرنسا، مشيراً إلى أن حكومته على تواصل يومي مع الإيرانيين، وأنه شخصياً على تواصل دائم مع الرئيس دونالد ترامب، وأن المنطقة لا تحتمل المزيد من المواجهات.
وعُلم، في هذا السياق، أن بن سلمان بعث بدعوة رسمية إلى القيادة الإيرانية، وسط توقعات بأن يزور وفد إيراني يضم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي الرياض خلال الأيام القليلة المقبلة.
وبحسب المعلومات، يريد الجانب السعودي بحث ملف الحرب مع إيران والوضع في مضيق هرمز، إضافة إلى الحرب المشتعلة مع أنصار الله في اليمن. وكانت طهران قد أبدت في السابق عدم تجاوب مع طروحات تتعلق باليمن، إلا أن الأمور تبدو اليوم مختلفة، في ضوء التطورات الميدانية التي أظهرت تقدماً لقوات أنصار الله في كل منطقة الساحل، وسيطرتهم على غرب تعز ومنطقة المخا، وسط انهيارات كبيرة في صفوف القوات الحليفة للسعودية.
وبحسب المصادر، لم تؤدِّ الحملة السياسية والإعلامية التي قادتها السعودية ودول الخليج، ولا الغارات المكثفة، إلى تحقيق النتائج المرجوة، فيما يحتدم السجال بين قوات طارق صالح وقوات حزب الإصلاح حول الجهة التي تتحمل مسؤولية ما جرى. أما الإمارات، التي تقف على التل لتراقب التطورات، فتتحدث بشماتة عن الدور السعودي، وتحمّل الرياض مسؤولية الانفجار بين القوات المعارضة لأنصار الله.
وتفيد المصادر بأن ملف اليمن لا يبدو كلّه بيد السعودية، إذ تشير معطيات عدة إلى أن الولايات المتحدة تبدو أكثر حماسة لتوسيع دائرة المساهمة السعودية في العدوان على حكومة صنعاء، فيما عادت واشنطن إلى تعزيز دور الإمارات مع بعض الفصائل في جنوب اليمن، بهدف تسعير المواجهة مع أنصار الله.
ويبرّر الجميع هذه المناخات بأن واشنطن تريد منع أنصار الله، ومن خلفهم إيران، من السيطرة على باب المندب والتحكم به، على نحو يشبه ما هو قائم في مضيق هرمز.
لكن ما حصل فعلياً هو أن باب المندب بات في يد إيران والقوى الحليفة لها، وأن المعركة التي قادتها قوات أنصار الله ليست سوى جزء من استراتيجية أوسع ستدفع الولايات المتحدة ودولاً عدة إلى إعادة النظر في حساباتها. فإغلاق باب المندب بصورة كاملة لم يعد مجرد احتمال نظري، بل أصبح ورقة موجودة فعلياً في يد أنصار الله، الذين لديهم حساباتهم وأولوياتهم الخاصة، وفي مقدّمها رفع الحصار عن اليمن، إلا أنهم لا يتصرفون خارج استراتجية محور المقاومة على المستوى الإقليمي.

