
د. حكم أمهز
باحث في العلاقات الدولية
صدى الولاية - أعلنت إيران «منطقة محظورة» تمتد من منطقة الحصار الأميركي وصولاً إلى مضيق هرمز وداخل الخليج الفارسي، وهدد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي اللواء محسن رضائي السفن التي تخالف القواعد التي تضعها طهران بإدراجها على «قوائم العقوبات».
ما يجعل هذا التطور مهماً ليس التهديد بالعقوبات وحده، بل المعادلة التي تحاول إيران بناءها في هرمز.
فطهران تنتقل من استراتيجية التهديد بإغلاق المضيق أمام الملاحة إلى استراتيجية أكثر مرونة وتعقيداً، تتمثل في إبقاء هرمز مفتوحاً، ولكن ضمن «قواعد وشروط» تفرضها إيران على حركة السفن.
هذا التحول يمكن وصفه بأنه إجراء إيراني ذكي من الناحية الاستراتيجية، لأنه يحاول الجمع بين الضغط والمرونة في وقت واحد.
فالإغلاق الكامل لمضيق هرمز يمثل سلاحاً شديد القوة، لكنه في الوقت نفسه قد يكون مكلفاً لإيران نفسها وللدول التي ترتبط معها بعلاقات تجارية وسياسية، كما أن الإغلاق الشامل قد يستدعي رداً عسكرياً دولياً واسعاً.
أما التحكم الانتقائي بالملاحة، فيمنح طهران مساحة أكبر للمناورة، إذ يمكنها تشديد القيود على بعض السفن وتخفيفها على أخرى وفقاً للتوجهات، مع الاحتفاظ بالقوة العسكرية كأداة ردع في الخلفية.
وتكمن أهمية هذا الإجراء في أنه يمنح إيران مرونة في التطبيق. فإعلان المنطقة المحظورة لا يعني بالضرورة التعامل بالطريقة نفسها مع جميع السفن والدول.
وقد تسمح هذه المرونة لطهران بتركيز ضغوطها حيث تراها أكثر تأثيراً، بما في ذلك تشديد الإجراءات على السفن المرتبطة بجهات تعتبرها معادية أو مشاركة في الضغط عليها، من دون أن يعني ذلك استهدافاً شاملاً لسفن تلك الدول.
وبهذا تستطيع إيران الحفاظ على هامش يسمح باستمرار جانب من الملاحة والتجارة، وفي الوقت نفسه الاحتفاظ بالمنطقة الجديدة كورقة ضغط قابلة للتصعيد أو التخفيف.
بمعنى آخر، قد لا تكون المعادلة التي تريد إيران فرضها هي منع جميع السفن من المرور، بل جعل المرور الطبيعي والآمن عبر المضيق مرتبطاً، بصورة أو بأخرى، بمراعاة الشروط الإيرانية.
وهذا فارق استراتيجي كبير، لأن الهدف عندها لن يكون إغلاق أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وإنما تحويل الموقع الجغرافي الإيراني والقوة العسكرية المنتشرة حول المضيق إلى نفوذ فعلي على حركة الملاحة.
ومن أكثر العبارات دلالة في تصريح رضائي حديثه عن أن «كثيراً من السفن التي تعبر المضيق تعود مرة أخرى».
هذه العبارة تكشف جزءاً مهماً من منطق الردع الجديد.
فإيران ليست مضطرة إلى اعتراض كل سفينة فور دخولها المنطقة، بل يمكنها تسجيل السفينة باعتبارها مخالفة، ثم جعلها تواجه مخاطر أكبر عندما تحاول العودة مرة أخرى، سواء من خلال الاحتجاز أو التفتيش أو المنع أو الغرامات أو غيرها من الإجراءات.
وهذا يعني أن مالك السفينة لن يفكر فقط في سلامة الرحلة الحالية، بل في مستقبل السفينة التجاري وقدرتها على استخدام الطريق نفسه لاحقاً.
ومن هنا يظهر أحد أخطر عناصر هذه الاستراتيجية: التأمين البحري.
قد يبدو إدراج سفينة على قائمة عقوبات إيرانية محدود التأثير من الناحية القانونية الدولية، لكن الأمر يصبح مختلفاً عندما تدخل شركات التأمين في المعادلة.
فالسفينة التي تدخل منطقة ترتفع فيها احتمالات الاحتجاز أو الاستهداف أو التعرض لأضرار عسكرية تتحول مباشرة إلى مخاطرة مالية كبيرة.
وشركة التأمين ليست بحاجة إلى الاعتراف بالعقوبات الإيرانية حتى تتفاعل مع الخطر. يكفي أن ترى أن احتمال فقدان السفينة أو تعرضها للضرر قد ارتفع لكي ترفع كلفة التأمين عليها.
وإذا أصبحت كلفة مخالفة التعليمات الإيرانية أعلى من كلفة الالتزام بها، تكون طهران قد حققت جزءاً مهماً من هدفها من دون الحاجة إلى استخدام القوة ضد كل سفينة مخالفة.
وهنا تتحول القوة العسكرية من وسيلة للقتال المباشر إلى أداة ردع اقتصادي، وقد تبدأ شركات الشحن نفسها بتجنب المخاطرة حتى من دون صدور أوامر رسمية من حكوماتها.
لكن الجانب الأكثر حساسية في تصريحات رضائي يتعلق بالحديث عن منطقة تمتد خارج مضيق هرمز نفسه.
فإذا جرى تطبيق هذا الإعلان على نطاق واسع، فإن إيران لا تحاول فقط فرض قواعد داخل نقطة الاختناق البحرية، بل توسيع نطاق الضغط إلى الطرق التي تقود إلى المضيق وتخرج منه.
وهذا يضع الولايات المتحدة أمام معضلة جديدة.
فإذا قررت واشنطن حماية حرية الملاحة من خلال مرافقة السفن التجارية، سيظهر سؤال بالغ الحساسية: من أين تبدأ المرافقة العسكرية؟
هل تبدأ داخل المضيق فقط، أم من خليج عُمان والمناطق التي تسبق الوصول إليه؟
وماذا سيحدث إذا حاولت القوات الإيرانية اعتراض سفينة قبل وصولها إلى المضيق؟
عند هذه النقطة يمكن أن تتحول المسألة من أزمة ملاحة إلى اختبار مباشر لقواعد الاشتباك بين إيران والولايات المتحدة.
وإذا استمر تطبيق هذه السياسة لأيام أو لأسبوع من دون مواجهة عسكرية كبيرة، فمن المرجح أن يظهر أثرها أولاً في سلوك شركات الشحن والتأمين.
بعض السفن قد تنتظر خارج المنطقة، وبعض الشركات قد تطلب ضمانات إضافية قبل العبور، فيما ترتفع كلفة التأمين والشحن وتضاف علاوة مخاطر جديدة إلى أسعار النفط والغاز.
ويمكن للاقتصاد العالمي استيعاب مثل هذا الاضطراب لفترة قصيرة، لكن المشكلة الحقيقية تبدأ إذا تحول الوضع المؤقت إلى قاعدة دائمة.
فإذا استمرت المعادلة لشهر مثلاً، ستبدأ شركات الطاقة والشحن بإعادة ترتيب سلاسل الإمداد بدلاً من انتظار انتهاء الأزمة.
وقد يصبح المرور عبر هرمز مقسماً عملياً بين سفن تمر ضمن ترتيبات تقبل بها إيران، وسفن تتحرك تحت حماية أو مرافقة عسكرية أميركية، وسفن ترفض المخاطرة وتبحث عن طرق أو ترتيبات بديلة.
ومع استمرار هذا الوضع، لن يتوقف التأثير عند النفط الخام والغاز، لأن ارتفاع كلفة التأمين ووقود السفن والشحن البحري يمكن أن ينتقل تدريجياً إلى أسعار السلع المنقولة بحراً.
وعندها قد تتحول أزمة هرمز من أزمة طاقة إلى عامل تضخمي عالمي يؤثر في التجارة والنقل والإنتاج وأسعار السلع.
الأمر المهم أن إيران لا تريد إبقاء المضيق في حالة شلل دائم، بل تريد استخدام قدرتها على تعطيل الملاحة كورقة تفاوضية في مواجهة الضغط والحصار الأميركيين.
ويمكن تلخيص المعادلة التي تحاول طهران بناءها بالقول: إذا استطاعت الولايات المتحدة رفع كلفة تصدير النفط الإيراني وخنق حركة التجارة الإيرانية، فإن إيران تستطيع بدورها رفع كلفة تصدير الطاقة والتجارة من الخليج الفارسي.
وبذلك تتحول المواجهة من مشكلة إيرانية – أميركية إلى مشكلة تمس الاقتصاد العالمي، ولا سيما الأميركي، وتدفع قوى دولية أخرى إلى البحث عن تسوية.
كما تكتسب التفاهمات مع سلطنة عُمان حول ممرات الدخول والخروج أهمية خاصة في هذه المعادلة.
لكن خطورة التصعيد العسكري ترتبط بكيفية تطبيق الإجراءات الإيرانية.
فإذا مرت سفينة في المنطقة المحظورة، هل سترافقها قوات أميركية للحماية؟
إذا لم تفعل، تكون إيران قد حققت جزءاً أساسياً من أهدافها.
أما إذا رافقتها، فسيرتفع منسوب المخاطر، لأن إيران ستكون أمام امتحان تنفيذ تهديداتها، وستتعرض مصداقية القواعد الجديدة للاختبار.
وإذا حاولت القوات الإيرانية منع السفن المخالفة أو إجبارها على التوقف، ستجد القوات الأميركية نفسها بدورها أمام اختبار للمصداقية، وأمام قرار صعب بين تجنب المواجهة وبين التدخل لحماية حرية الملاحة التي تقول إنها تدافع عنها.
وهنا تصبح واشنطن أمام امتحان مواجهة قواعد المرور الإيرانية، ليس في المضيق فقط، بل في المناطق التي تسبقه وتليه أيضاً.
والأهم أن إيران تنتقل، مع الإعلان الجديد، من استراتيجية إغلاق هرمز إلى استراتيجية أكثر تعقيداً وذكاء تقوم على «التحكم بالمخاطر المحيطة بالعبور».
أي إنها لا تمنع الملاحة بالكامل، لكنها تجعل تجاهل قواعدها أكثر صعوبة وكلفة.
وإذا نجحت هذه الاستراتيجية، فقد تمنح طهران ورقة تفاوضية أقوى من الإغلاق الكامل، لأنها تتيح لها رفع كلفة الأزمة على خصومها مع الحفاظ على مساحة للمناورة واستمرار جانب من حركة التجارة.