الإخبار:: لينا فخر الدين الجمعة 4 أيلول 2026
الزيارة التي قام بها السفير الفلسطيني محمّد الأسعد إلى بلدة الدامور، الإثنين الماضي، ليست «السقطة» الأولى التي تسجّلها عليه الفصائل الفلسطينية، إذ سبقتها، على حدّ تعبيرها، «هفوات لا تُحصى». بدأت تلك السلسلة بزيارته بلدة العيشية قبل أشهر، في محاولة لطيّ صفحة مجزرة العيشية «بطريقة غير منسّقة»، ثم زيارته رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب «القوات اللبنانية» شارل جبور قبل أسبوعين، ومديرة المكتب الإعلامي لرئيس الحزب أنطوانيت جعجع الأسبوع الماضي.
ويدرك المسؤولون الفلسطينيون أنّ فتح صفحة جديدة مع أهالي بعض المناطق اللبنانية التي شهدت مجازر خلال الحرب الأهلية، وتشبيك العلاقات مع رموز «اليمين المسيحي» الذين كانوا خصوم الأمس، لا يندرجان في إطار مبادرات الأسعد أو مسؤولي السفارة الفلسطينية في بيروت، بل يأتيان في سياق خطة للسلطة الفلسطينية تحظى برعاية أميركية ـ سعودية وغطاء من السلطة اللبنانية، بهدف منح رام الله دوراً أوسع في القرار الفلسطيني داخل لبنان، وتحجيم بقية الفصائل، وفي مقدّمها حركة «حماس»، بذريعة أنّ سلطة رام الله هي المرجعية الشرعية الوحيدة للفلسطينيين في بيروت. وفي هذا السياق، تندرج أيضاً الإطاحة بهيئة العمل الفلسطيني المشترك التي تأسست قبل سنوات، بما يتيح لرام الله الاستئثار بالقرار الفلسطيني في لبنان.
ولذلك، تبدو السلطة الفلسطينية في عجلة من أمرها لتثبيت أواصر تعاون مع القوى اللبنانية، ولا سيما المسيحية منها، وفي مقدّمها «القوات اللبنانية». وقد برز في المدة الأخيرة انفتاح متبادل بين رام الله و«القوات»، ترافَق مع مواقف مشتركة بشأن وضع المخيمات الفلسطينية وحصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، فيما أخذت معراب على عاتقها تعبيد طريق الأسعد في عدد من المناطق. وهو تحديداً ما حصل في الدامور، حيث انتشرت صور الأسعد على درج البلدية برفقة رئيس البلدية جان غفري، وعدد من الأعضاء والمخاتير، ما أثار عاصفة من الانتقادات على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما أنّ أبناء البلدة يؤكدون أنّ غفري لم ينسّق الزيارة مع الفاعليات والأحزاب، بل لم يضع حتى بعض أعضاء المجلس البلدي في أجوائها.
صمت قواتي
سريعاً، غسلت معظم الأحزاب المسيحية المحلية يديها من «الواقعة»، فيما لاذ «القواتيون» بالصمت، وهو ما لم يعهده «الدوامرة» من «القوات» والنائب جورج عدوان تحديداً، معتبرين أنّ هذا «السكوت المريب»، يجعلهم «شركاء كاملين» في «هفوة» غفري. ويلفت أبناء الدامور إلى أن ثلاثة أعضاء في المجلس البلدي محسوبين على حزب سمير جعجع، حضروا اللقاء وظهروا في الصورة التي انتشرت على درج البلدية، وهم بسام بو سرحال (أحد المقاتلين القدامى)، وعماد زهران، ونصر إغناطيوس، شقيق رئيس مركز «القوات» في البلدة الياس إغناطيوس.
كلّ ذلك يعزّز الاعتقاد بأنّ معراب كانت «عرّابة اللقاء»، رغم أنّ بعض هؤلاء الأعضاء يشيعون أنّهم «استُدرجوا إلى كمين غفري» من دون علمهم باللقاء. وبحسب هذه الرواية، فإنّ عدم تنسيق غفري مع الأحزاب والفاعليات كان بدافع قطف الزيارة لنفسه، قبل أن تنقلب الأمور وتبدأ ردود الفعل، لتضيف إلى سجل رئيس بلدية الدامور الحافل أصلاً ملفاً جديداً يزيد من وطأة النقمة على أدائه، بعد سنة من الركود البلدي وتصاعد حدّة الخلافات داخل المجلس.
لكنّ هذه المرّة، جاءت الملاحظات أيضاً من «بيت أبيه» أيضاً، إذ انتقده حتى المحسوبون عليه، ما دفع البلدية إلى إقفال خاصية التعليق على صفحتها على «فايسبوك». غير أنّ «الدوامرة» وجدوا في صفحاتهم الشخصية منفذاً لمواصلة الانتقاد، مع التذكير بـ«مخالفات الريس»، قبل أن تنتشر دعوة إلى الأهالي للمشاركة مساء اليوم في «وقفة شموع لذكرى شهدائنا الأبرار أمام نصب شهداء الدامور»، على أن تليها، بحسب ما تردّد، صورة على درج البلدية نفسه، حيث التُقطت الصورة مع الأسعد.
في المقابل، يحاول أنصار غفري «تجميل» الزيارة بالإشارة إلى أنّ هدفها كان إعلان السفير الفلسطيني الاعتذار عن المجزرة التي ارتكبتها فصائل فلسطينية عام 1976، قبل أن يسوّقوا خبر تقديمه رسالة خطية من سلطة رام الله تتضمن اعتذاراً واضحاً. إلا أنّ ذلك لم يقنع «الدوامرة»، الذين شدّدوا على أنّ مصالحة بهذا الحجم تحتاج إلى إشارة واضحة إلى المجزرة، لم يجدوها في البيان الموزّع من الطرفين، فضلاً عن تحضيرات سياسية وشعبية أعمق، ناهيك عن عدم إشهار الرسالة المزعومة.
رفض «المصالحة الأحاديّة»
وإذا كان الاستياء قد سيطر على بلدة الدامور، فإنّ الأجواء نفسها عمّت البيئة الفلسطينية، حتى كاد الأسعد ينطبق عليه المثل القائل: «لا طال بلح الشام ولا عنب اليمن». ففي الغرف المغلقة، لم يُخفِ عدد من الفصائل الفلسطينية، وبينها شخصيات محسوبة على حركة «فتح»، الاستياء من طلب السفير الصفح عن مجزرة الدامور. وبالنسبة إلى هؤلاء، كما إلى أهالي الدامور، فإنّ لقاءً بهذا الحجم يحتاج إلى مسار طويل ومُعدّ سلفاً، على غرار ما فعله رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط في مصالحة الجبل، بعد جلسات حوار مكثفة مع البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير واتصالات سياسية وشعبية مع الأحزاب والقوى المسيحية، رافقتها إجراءات عملية لمعالجة آثار الحرب، وفي مقدّمها ملف المهجّرين وعودتهم إلى قراهم.
وبالتالي، يرى العديد من المسؤولين الفلسطينيين أنّ تهيئة الأرضية لمثل هذه المصالحة، ضمن مسار متوازن يعترف بآلام الطرفين، كانت ضرورية قبل الإقدام على ما يصفونه بـ«مصالحة أحادية الجانب»، أو «اعتراف منفرد ينتقي محطة واحدة من حرب كانت حافلة بالمجازر والانتهاكات». فبالنسبة إليهم، لا يمكن فصل مجزرة الدامور عن سياق الحرب الأهلية، وتحديداً عن مجزرة تل الزعتر، ما يستدعي اعترافاً متبادلاً بالمجازر، و«طلبات مغفرة» متبادلة أيضاً بين الفصائل الفلسطينية والأحزاب المسيحية التي شاركت في الحرب.
ويشير هذا المشهد برمّته إلى أنّ الزيارة، التي كان يُفترض أن تفتح مساراً جديداً بين الدامور والفلسطينيين، جاءت من دون إعداد سياسي وشعبي كافٍ، فكان أن أثارت، بدلاً من التهدئة، ردود فعل عكسية أعادت نكء الجراح.
مجزرة الدّامور: الهويّة والخيارات السياسيّة
لم تتحوّل مجزرة الدامور في الوعي الجمعي لأهاليها إلى صفحة من الماضي يمكن طيّها ببساطة. فرغم عودة أعداد كبيرة من أبناء البلدة إليها بعد سنوات من التهجير، بقيت آثار الحرب حاضرة في تفاصيل المكان والذاكرة معاً. منازل لا تزال تحمل ندوب المعارك، وصور قتلى تختزنها ذاكرة العائلات، وشهادات تتناقلها الأجيال، تجعل من أحداث 1976 جزءاً من الحاضر، لا مجرد فصل من تاريخ البلدة.
ونادراً ما يجتمع أبناء الدامور في غداء أو عشاء جماعي من دون أن تجد المجزرة مكاناً في الأحاديث، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية التي تشكّل الوعي السياسي والاجتماعي للبلدة، وتفسّر جانباً كبيراً من مواقف أهلها وتوجساتهم، كما نظرتهم إلى محيطهم وخياراتهم السياسية والاجتماعية.
وبمعنى أكثر وضوحاً، لم تنجز الدامور، حتى اليوم، مصالحة اجتماعية فعلية مع الطرف الذي تعتبره مسؤولاً عن قتل أبنائها وتهجيرهم. فالمصالحة السياسية التي قد تعقدها القيادات لا تعني بالضرورة أنّ المجتمع المحلي طوى الصفحة. ويظهر ذلك في الحساسية المرتفعة تجاه «الغريب»، إلى حدّ أنّ السكن في البلدة ليس متاحاً بسهولة حتى لأبناء المناطق المحيطة من غير المسيحيين، فيما يبدو الرفض أكثر وضوحاً تجاه أي عودة للوجود الفلسطيني، حتى في إطار العمالة. وهذا كله يدلّ على أنّ جرحاً في الذاكرة الجماعية لم يُعالج بعد، وأنّ المجتمع المحلي لا يزال يتعامل مع آثار المجزرة بوصفها جزءاً من هويته السياسية والاجتماعية، لا مجرد واقعة تاريخية انقضت.

