طلال نحلة
المشهد الاستراتيجي والجيوسياسي العام
في اليوم الثامن والسبعين لسقوط مذكرة التفاهم (الخميس 3 أيلول 2026 - اليوم 187 للحرب)، تتأرجح الإدارة الأمريكية بين الترويج لـ"نصر من جانب واحد" لإنقاذ ماء وجه الرئيس دونالد ترمب قبيل انتخابات التجديد النصفي في 3 تشرين الثاني/نوفمبر، وبين الواقع العملياتي المرير الذي فرضه وزير الدفاع بيت هيغسيث بتمديد انتشار القوات الأمريكية في الشرق الأوسط رسمياً حتى عام 2027. تكشف هذه التناقضات عن عجز استراتيجي في حسم الصراع؛ فبينما يصر ترمب وماركو روبيو على أن مضيق هرمز بات مفتوحاً وأن مخزونات الذخيرة كافية، تدفع طهران بـ"استراتيجية حرب جديدة" تشعل القواعد الأمريكية في الكويت والإمارات، وتفرض حصاراً مضاداً يرفع أسعار الطاقة وعوائد السندات ويضع الخزانة الأمريكية على حافة الهاوية.
على الجبهة اللبنانية، دخل الميدان منعطفاً مفصلياً بإعلان جيش الاحتلال الإسرائيلي عبر الفرقة 36 تحقيق "سيطرة عملياتية" وتطهير مسارين وأنفاق استراتيجية تحت الأرض في مرتفعات "علي الطاهر"، وسط تقارير استخباراتية تفيد بوجود مستشارين من الحرس الثوري الإيراني داخل تلك التحصينات وتهديد طهران المسبق لواشنطن بالرد القاسي. يتزامن ذلك مع اشتداد الخناق الاقتصادي الداخلي في إيران، وانهيار خطوط دفاع الميليشيات الموالية للتحالف في الساحل الغربي لليمن (المخا)، مما يمهد لانتقال الحرب إلى طور بري أوسع يعيد رسم خرائط المنطقة.
أولاً: الجبهة اللبنانية.. إعلان السيطرة العملياتية على "علي الطاهر" ولغز الرد الإيراني
إعلان الفرقة 36 واقتحام الأنفاق: أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي استكمال تطهير مسارين تحت الأرض والسيطرة العملياتية على منطقة مرتفعات "علي الطاهر" فوق الأرض وتحتها عبر الفرقة 36، مدعياً القضاء على عدد من المقاتلين وفرار آخرين، والعثور على غرف عمليات ومولدات ومستودعات أسلحة ومرافق مكوث بُنيت على مدار عقدين بتخطيط إيراني. في المقابل، تشير المعطيات الميدانية إلى أن الإعلان الإسرائيلي يقتصر على مسارين ولا يعني السيطرة المطلقة على كامل التلة الشاسعة، في ظل استمرار القصف والعمليات العسكرية.
تصريحات نتنياهو وتنازلات بيروت: تباهى بنيامين نتنياهو بأن مرتفعات علي الطاهر "لم تعد تشكل تهديداً"، فيما نقلت صحيفة "يسرائيل هيوم" تسليم لبنان لخرائط وصور لمقابر ومواقع قد تضم رفاتاً أو أدلة في سياق المفاوضات.
التحذير الإيراني المسبق عبر مسقط: كشفت وكالة "رويترز" أن طهران نقلت تحذيراً شديد اللهجة عبر عُمان إلى واشنطن في منتصف آب/أغسطس، أكدت فيه أنها سترد بقوة على أي اجتياح لتلة علي الطاهر لوجود أكثر من عشرة عناصر من الحرس الثوري بينهم ضابطان كبيران بجانب مقاتلي حزب الله، وهو ما يضع المنطقة أمام ترقب لانفجار رد إيراني مباشر أو تنفيذ صفقة تبادل أسرى متدرجة.
ثانياً: معركة القواعد في الخليج وبنك الأهداف الإيراني المستحدث
استهداف القواعد في الكويت والإمارات: أعلن الجيش الإيراني تنفيذ ضربات صاروخية ومسيرة استهدفت تمركزات وقواعد عسكرية أمريكية في الكويت (قاعدة علي السالم) والإمارات، مما دفع الجيش الكويتي لإعلان اعتراض صواريخ ومسيرات معادية، واستدعى إدانة رسمية شديدة من وزارة الخارجية القطرية.
التعتيم الأمريكي حول "تيتين" و"علي السالم": أكدت تحليلات استخباراتية وجود تعتيم إعلامي وعسكري أمريكي صارم على نتائج الضربات الدقيقة التي طالت القوات المستقدمة حديثاً لمعسكر "تيتين" في العقبة وقيادات "سنتكوم" في "علي السالم"، على عكس الشفافية الإيرانية في إعلان خسائر ضربات الساحل.
تفكيك شبكات التخريب الداخلية: أعلن الحرس الثوري الإيراني اعتقال خلية مسلحة مكوّنة من 7 عناصر تابعة لجماعات كردية انفصالية في محافظة إيلام غربي البلاد كانت تخطط لعمليات تفجير وتخريب داخلية.
ثالثاً: التموضع الجوي الأمريكي (ORBAT).. حشد 232 مقاتلة وتمديد الانتشار
وثّقت أحدث بيانات الرصد الميداني (US ORBAT - Fast-Jets) حشداً جوياً أمريكياً ضخماً تابعاً للقيادة المركزية (CENTCOM) يضم 232 مقاتلة حربية جاهزة لخوض جولات الصدام الواسعة، بعد خصم 3 مقاتلات أُسقطت في الأشهر الأولى للحرب:
64 مقاتلة F-15E Strike Eagle: تتوزع بين الأجنحة 4th FW و366th FW، مع بقاء أسراب السرب 494th FS في مسرح العمليات رغم إسقاط مقاتلتين منها سابقاً (DUDE44 فوق إيران و91-0327 فوق الكويت).
55 مقاتلة F-35A Lightning II الشبحية: تابعة للأجنحة 158th FW و495th FS وأسراب متفرقة تؤمن السيادة الجوية واختراق الدفاعات.
30 طائرة هجوم أرضي A-10C Thunderbolt II: مخصصة للإسناد القريب وحرب الشواطئ والزوارق (بعد خسارة طائرة واحدة في نيسان).
49 مقاتلة F-16C/CM Fighting Falcon: تتمركز في القواعد المتقدمة، يضاف إليها 12 مقاتلة من الجناح 180 (أوهايو) ترابط حالياً في "لاجيس" تمهيداً للتحرك شرقاً لتعويض طائرات أفيانو العائدة.
12 طائرة حرب إلكترونية EA-18G Growler: تابعة للسربين VAQ-135 وVAQ-138 للتشويش على شبكات الرادار والدفاع الجوي الإيرانية.
22 مقاتلة تابعة للمارينز (USMC): تشمل 12 مقاتلة F/A-18C/D و10 مقاتلات شبحية من طراز F-35C.
رابعاً: معركة الخنق المالي.. رويترز تفضح تراجع صادرات طهران
أرقام صادمة للاقتصاد الإيراني: كشف تقرير استقصائي لوكالة "رويترز" أن الحصار الأمريكي بدأ يضرب الشرايين التمويلية لطهران؛ حيث تراجعت تحميلات النفط الخام إلى 260 ألف برميل يومياً فقط (مقارنة بـ 1.7 مليون برميل سابقاً) وفق بيانات Kpler، وقفز سعر صرف الدولار متجاوزاً 2.2 مليون ريال، وسجل التضخم الرسمي 69.9%، مع تحذيرات من كفاية مخزون البنزين لشهرين فقط، مما يضع القيادة الإيرانية أمام خيارين: تصعيد عسكري لكسر الحصار أو إبداء مرونة تفاوضية.
تحذير قاليباف لبيسنت: رد رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف بأن تآكل الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي، وقفزات عوائد السندات، وتجاوز أسعار النفط حاجز الأمان وضعت وزير الخزانة سكوت بيسنت على حافة الهاوية الاقتصادية.
الهروب في اليمن (المخا): أفادت مصادر ميدانية بفرار قيادات عسكرية وأمنية موالية لقوات طارق صالح مع عائلاتها من مديرية المخا، إثر التقدم البري الواسع للقوات المسلحة اليمنية وسيطرتها على سلاسل جبلية استراتيجية تؤمن الإشراف على مضيق باب المندب والساحل الغربي.
الخلاصة والمآلات القادمة
يكشف مشهد الثالث من أيلول 2026 عن سباق محموم بين الانهيار الاقتصادي الإيراني الداخلي والاستنزاف العسكري والاستراتيجي الأمريكي في الشرق الأوسط. إن لجوء إدارة ترمب لبحث "إعلان نصر أحادي" يعكس رغبة ملحة في الهروب من فخ الحرب قبل انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر، لكن تمديد وزير الدفاع لانتشار القوات حتى 2027 يؤكد أن البنتاغون يعلم يقيناً أن الحرب لم تنتهِ بل دخلت مرحلة التثبيت الطويل.
المآل القادم:
إن إعلان الاحتلال السيطرة على أجزاء من منشآت "علي الطاهر" يضع طهران والمقاومة أمام اختبار مصداقية الخطوط الحمر؛ فالصمت لن يكون خياراً طويلاً، مما يجعل احتمالية تنفيذ رد صاروخي غير متماثل ضد الكيان مسألة توقيت. ومع اتجاه سموتريتش لإعلان حرب لتجريد الضفة الغربية من السلاح، وانهيار دفاعات التحالف في المخا، فإن المنطقة تتجه نحو "المرحلة الثانية من الصراع": مرحلة الالتحام البري وسقوط الأنظمة الهشة وتغير الجغرافيا السياسية، بعيداً عن أوهام السيطرة الجوية الأمريكية التي لم تنتج سوى تمديد الحرب وتعميق الاستنزاف.