❗️sadawilaya❗
صدى الولاية الإخباري | الإثنين 31 آب/أغسطس 2026
اعداد وتحرير ماجدة عباس الموسوي رئيس تحرير موقع صدى الولاية الاخباري
لم يعد «اتفاق مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وتركيا وباكستان مجرد إعلان سياسي عن التضامن بين ثلاث من أبرز دول العالم الإسلامي. فبعد أقل من شهر على توقيعه، بدأت الدول الثلاث بتحويله إلى مؤسسة أمنية ودفاعية فعلية، مع إنشاء أمانة دائمة في السعودية، وتفعيل اللجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية، والاتفاق على توسيع التنسيق العسكري والصناعات الدفاعية.
لكن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه بعد اجتماع إسطنبول اليوم ليس كيف ستعمل مؤسسات الاتفاق فحسب، وإنما: في وجه مَن يجري بناء هذه المظلة الدفاعية؟
اللافت أن الإجابات التي يقدمها الباحثون الغربيون والإسرائيليون ليست واحدة. فبعضهم يرى إيران في خلفية المشهد، فيما يضع آخرون التمدد والتوسع العسكري الإسرائيلي الاحتلالي في مقدمة الدوافع، بينما تذهب قراءة ثالثة إلى ما هو أبعد: اتفاق مكة تعبير عن اهتزاز الثقة بالولايات المتحدة بوصفها الضامن الأمني التقليدي للمنطقة.
اتفاق وُلد من حرب غيّرت الحسابات
الباحثان حسن الحسن وأسنا واجد في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS يريان أن الاتفاق يمثل تحولاً جيوسياسياً إقليمياً، وأن الدول الثلاث شعرت بالقلق من السلوك العسكري لكل من إيران و«إسرائيل».
لكن الدراسة تلفت إلى تناقض جوهري داخل التحالف نفسه: أنقرة تنظر إلى «إسرائيل» باعتبارها التهديد الأمني الأكبر مقارنة بإيران، بينما تميل الرياض إلى ترتيب التهديدين بصورة معاكسة. وهذه النقطة ستكون، برأي الباحثين، أحد أهم الاختبارات المستقبلية لتماسك الاتفاق.(iiss.org)
وهذا يعني أن «اتفاق مكة» لا يقوم، حتى الآن، على تعريف عدو واحد بقدر ما يقوم على محاولة إنشاء مظلة ردع متعددة الاتجاهات.
من زاوية أنقرة.. «إسرائيل» تدخل الحساب مباشرة
هذا البعد أصبح أكثر وضوحاً بعد التطورات السورية الأخيرة.
ففي 18 آب/أغسطس، قصفت «إسرائيل» قاعدة أبو الظهور الجوية شمال سوريا، وأسقطت ما لا يقل عن ثماني قنابل على المدارج والحظائر، وفق معلومات نقلها موقع Axios عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين. وأبلغ الجانب الإسرائيلي واشنطن بأن الهدف من العملية كان منع ما وصفه بقيام وجود عسكري تركي في القاعدة.
والأكثر دلالة أن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني قال إن دمشق كانت قد أوضحت للجانب الإسرائيلي أنه لا توجد نية لإنشاء قاعدة تركية دائمة في أبو الظهور أو نشر قوات تركية فيها، لكن القصف وقع رغم ذلك.
وهنا يكتسب «اتفاق مكة» بالنسبة إلى تركيا معنى مختلفاً.
فالمواجهة التركية–الإسرائيلية لم تعد سجالاً سياسياً بين رجب طيب أردوغان وبنيامين نتنياهو حول غزة وسوريا فقط، بل باتت تلامس حدود النفوذ العسكري والأمني للطرفين داخل سوريا.
حتى معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي INSS يتعامل مع الاتفاق باعتباره تطوراً يثير القلق في «إسرائيل»، وإن كان يشكك في إمكانية تحوله سريعاً إلى تحالف عسكري متماسك بسبب اختلاف مصالح الدول الثلاث وعلاقات تركيا وباكستان المعقدة مع إيران.
القراءة الإسرائيلية: المال السعودي الصناعة التركية باكستان النووية
القلق الإسرائيلي لا يرتبط فقط ببند الدفاع المشترك.
فالقراءات الإسرائيلية التي أعقبت الاتفاق ركزت على اجتماع ثلاثة عناصر في إطار واحد: الثقل المالي السعودي، والصناعة والتكنولوجيا العسكرية التركية، والقوة العسكرية والنووية الباكستانية.
وتشير قراءات إسرائيلية إلى أن الغموض بشأن الدور النووي الباكستاني يمتلك في حد ذاته قيمة ردعية، حتى إذا لم يتضمن الاتفاق أي التزام رسمي بوضع السعودية أو تركيا تحت «مظلة نووية» باكستانية.
(aljazeera.net)
وهنا يجب التفريق بين أمرين: باكستان دولة نووية بالفعل، لكن النص المعلن لاتفاق مكة لا ينص على مظلة نووية مشتركة، وبالتالي فإن الحديث عن انتقال الردع النووي الباكستاني تلقائياً إلى الرياض وأنقرة يظل استنتاجاً وليس حقيقة مثبتة.
هل الاتفاق رسالة إلى واشنطن أيضاً؟
هنا تظهر إحدى أهم القراءات.
يرى مويد يوسف، الباحث في مركز بيلفر بجامعة هارفارد والمستشار السابق للأمن القومي الباكستاني، أن القلق المشترك بين الدول الثلاث يرتبط عموماً بـ«إسرائيل» التي تستعرض قوتها وبالولايات المتحدة التي تضررت مصداقيتها نتيجة حرب إيران، رغم حرص إسلام آباد على وصف الاتفاق بأنه دفاعي وغير موجه ضد دولة بعينها.(belfercenter.org)
أما ستيفن كوك في مجلس العلاقات الخارجية الأميركي CFR فيذهب أبعد من ذلك، إذ يرى في الاتفاق دليلاً على تراجع النظام الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة، وعلى اتجاه القوى الإقليمية إلى بناء ترتيباتها الأمنية الخاصة.
وهذه القراءة تصبح أكثر أهمية عند وضع الاتفاق في سياق الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران وما تبعها من انتقال المواجهة إلى دول الخليج.
فالمعضلة التي ظهرت أمام العواصم الخليجية كانت واضحة: وجود القواعد والقوات الأميركية لا يعني بالضرورة القدرة على منع انتقال الحرب إلى أراضي الدول المضيفة لهذه القوات.
وبالتالي لا ينبغي قراءة اتفاق مكة بوصفه «انقلاباً على أميركا»، فالسعودية وتركيا وباكستان ما تزال لديها علاقات استراتيجية عميقة مع واشنطن، وتركيا أصلاً عضو في حلف الناتو.
الأدق أنه تنويع لمصادر الحماية.
أي أن الرسالة المحتملة لواشنطن هي: لن تعتمد دول المنطقة بعد اليوم بالضرورة على مظلة أمنية واحدة.
وهذا قريب من قراءة أحمد أبو دوح، الباحث في تشاتام هاوس، الذي يصف الاتفاق بأنه تجربة في الاعتماد الأمني الإقليمي على الذات أكثر منه تحالفاً حربياً مكتمل البنية، ويرى أنه يمنح السعودية وسيلة إضافية لتنويع هندستها الدفاعية وتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة.
(chathamhouse.org)
ولكن.. أين إيران من كل ذلك؟
هذه هي العقدة الأكثر حساسية.
من السهل النظر إلى الاتفاق على أنه حلف سني في مواجهة إيران، خصوصاً بعد الحرب الأخيرة، لكن العلاقات الواقعية بين الدول الثلاث وطهران تجعل الصورة أكثر تعقيداً.
تركيا لا تريد حرباً مع إيران، وتتقاطع مصالح الطرفين في ملفات أمنية واقتصادية عديدة رغم المنافسة الإقليمية.
وباكستان بدورها تتشارك حدوداً طويلة وحساسة مع إيران، وتحتاج إلى إبقاء العلاقة معها تحت السيطرة، كما أن إسلام آباد لعبت أدوار وساطة مع طهران.
أما السعودية، فرغم الخصومة والصراع اللذين تفجرا خلال الحرب، فلديها مصلحة استراتيجية في منع تحول المواجهة مع إيران إلى حرب مفتوحة ودائمة في الخليج.
ولهذا كان رد الفعل الإيراني الأول على اتفاق مكة أكثر هدوءاً مما كان متوقعاً.
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي رحّب عملياً بفكرة تعاون الدول الإسلامية واعتمادها على نفسها، قائلاً بعد توقيع الاتفاق إن وقوف المسلمين معاً يمكنهم من مواجهة التحديات التي يفرضها «الخبيثون من الخارج»، داعياً إلى الاعتماد على الذات والأخوة الحقيقية.(aljazeera.com)
لكن طهران لديها أسباب وجيهة للقلق
الباحث حميد رضا عزيزي، المتخصص في السياسة الإيرانية والجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، يرى أن إيران قد لا تعتبر الاتفاق تهديداً فورياً، لكنها ستراقب اتجاه تطوره.
فالقلق الإيراني الحقيقي، وفق هذه القراءة، هو أن يتحول الاتفاق لاحقاً من مظلة دفاعية إلى آلية ضغط منسقة على إيران تمتد إلى العراق واليمن والاقتصاد والعلاقات الإقليمية.(aljazeera.com)
ويطرح الباحث الإيراني محسن فرخاني زاوية أخرى: الاتفاق يمكن أن يكون استعداداً لاحتمال تراجع الدور الأميركي المركزي في أمن الشرق الأوسط، لكن الروابط الوثيقة التي تجمع الدول الثلاث بواشنطن تجعل من المبكر اعتباره منظومة مستقلة تماماً عن النظام الأمني الذي تقوده الولايات المتحدة حسب قناة الجزيرة نت.
مفارقة الاتفاق: قد يضغط على إيران وقد يخدم رؤيتها
هنا تظهر مفارقة استراتيجية مهمة.
إذا تطور «اتفاق مكة» إلى تحالف عسكري يعتبر إيران عدواً، فسوف ترى طهران فيه محاولة جديدة لاحتوائها وتطويقها.
أما إذا أصبح نموذجاً لأمن إقليمي تقوده دول المنطقة نفسها مع تقليص الاعتماد على القواعد والمظلة الأميركية، فإن جزءاً أساسياً من فلسفة الاتفاق سيكون قريباً من الطرح الإيراني القديم القائل إن أمن المنطقة يجب أن تصنعه دولها لا القوى الخارجية.
ولذلك فإن مستقبل العلاقة بين إيران والتحالف لن تحدده تسمية الاتفاق، بل اتجاه سلاحه وسياساته.
وفي وجه مَن إذن؟
بعد جمع هذه القراءات، يصعب القول إن «اتفاق مكة» أُنشئ لمواجهة طرف واحد.
الأقرب أنه وليد ثلاثة مخاوف متزامنة:
الخوف السعودي من تداعيات المواجهة مع إيران، والخوف التركي المتزايد من تمدد القوة العسكرية الإسرائيلية واصطدامها بالمصالح التركية ولا سيما في سوريا، والخوف المشترك من أن المظلة الأميركية لم تعد كافية وحدها لضمان أمن حلفائها.
أما باكستان فتقدم لهذا البناء عنصراً بالغ الأهمية: دولة إسلامية كبيرة، جيشاً ذا خبرة، وقدرة نووية تمنح أي إطار دفاعي تشارك فيه وزناً ردعياً إضافياً، حتى من دون إعلان مظلة نووية.
لهذا ربما تكون الدلالة الأعمق لـ«اتفاق مكة» ليست أنه حلف ضد إيران أو حلف ضد «إسرائيل».
الدلالة الأهم هي أن ثلاث قوى إقليمية بدأت تقول عملياً إنها تريد امتلاك خيار أمني إضافي خارج الاعتماد الحصري على الولايات المتحدة.
وإذا توسع الاتفاق لاحقاً ليشمل دولاً أخرى، وتحولت أمانته الجديدة إلى قيادة تنسيق حقيقية، وبدأت المناورات والتصنيع العسكري المشترك وتقاسم المعلومات والتخطيط العملياتي، فعندها لن نكون أمام اتفاق دفاعي ثلاثي فحسب، وإنما أمام نواة محتملة لإعادة تشكيل ميزان القوة في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي.
وهنا تحديداً ستكون طهران وواشنطن و«تل أبيب» أمام السؤال نفسه: هل «اتفاق مكة» مجرد مظلة احتياطية فرضتها حرب 2026، أم أن المنطقة بدأت بالفعل البحث عن نظام أمني لما بعد الهيمنة الأميركية؟
إعداد وتحرير: رئيس تحرير موقع صدى الولاية الإخباري – ماجدة عباس الموسوي