الاخبار: محمد خواجوئي الإثنين 31 آب 2026
طهران | تنعقد قمّة «منظمة شنغهاي للتعاون»، اليوم وغداً في العاصمة القيرغيزية بيشكك، في ظلّ استمرار الحرب الأميركية ضدّ إيران، العضو في المنظّمة، وتداعيات إغلاق مضيق هرمز. ويبدو جلياً، بالنظر إلى مشاركة قادة الصين وروسيا وإيران وباكستان والهند في القمّة، أن نتائج المشاورات المُرتقبة سيكون لها دور رئيس في رسم ملامح المشهد الإقليمي المقبل، ولا سيما في ما يتّصل بآليات التعامل مع الضغوط الاقتصادية الأميركية المتجدّدة على طهران، وكيفية مواجهة
وبات يُنظَر إلى «منظمة شنغهاي للتعاون»، التي تأسّست عام 2001 وتضمّ 10 دول كأعضاء دائمين (هي الصين، وروسيا، والهند، وباكستان، وإيران، وبيلاروسيا، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، وأوزبكستان)، على أنها جبهة القوى الساعية إلى مراجعة قواعد النظام الدولي المتمحور حول الهيمنة الأميركية. وتأتي القمّة الحالية للمنظّمة بعدما وضعت الحرب الأميركية ضدّ إيران، أمن منطقة غرب آسيا أمام تحدّيات وجودية، وتسبّب إغلاق مضيق هرمز تحت وطأتها، بارتدادات حادّة على الاقتصاد العالمي ولا سيّما في قطاع الطاقة. كما تأتي وسط توجّه واشنطن إلى فرض عقوبات ثانوية مشدّدة على الشركاء التجاريين لطهران، وخاصة الصين وروسيا بصورة مباشرة. ويتوازى ذلك مع استمرار الحرب الروسية – الأوكرانية، وما خلّفته من تداعيات عميقة على الأمن الدولي، فضلاً عن استمرار رزوح موسكو بدورها تحت وطأة عقوبات غربية واسعة.
وفي ظلّ هذه الظروف، تضطلع «منظّمة شنغهاي للتعاون»، التي تمثّل نحو 40% من سكان العالم، و25% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بدور متزايد الأهمية بوصفها منصّة لتقديم «أجندة بديلة» في مواجهة النظام الليبرالي الذي تقوده الولايات المتحدة. ولطالما وظّفت بكين وموسكو هذه المنظّمة، إلى جانب مجموعة «بريكس»، للترويج لرؤيتهما لعالم متعدّد الأقطاب، ما يجعل من قمّة هذا العام، فرصة سانحة لإدانة السياسات الأُحادية لواشنطن. وكان الرئيسان الروسي، فلاديمير بوتين، والصيني، شي جين بينغ، استثمرا القمم السابقة للمنظّمة، لشرح رؤيتهما حول النظام التعدّدي، واستعراض موقف موحّد في وجه الغرب.
وتكتسب قمة بيشكك خصوصية استثنائية بانعقادها بعد مرور أربع سنوات ونصف سنة على الحرب الروسية - الأوكرانية، وستة أشهر على الحرب بين واشنطن وطهران. ويبقى موضوع الحرب الأميركية ضدّ إيران، بلا شك، المحور الأساسي لنقاشات القمة وجدول أعمالها غير الرسمي، خصوصاً أن طهران، التي نالت العضوية الكاملة في المنظّمة عام 2023، تسعى لتوظيف هذه المنصّة لبناء إجماع مناهض للإجراءات الأُحادية الأميركية. وفي هذا الإطار، من المُرتقب أن يجري الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، على هامش القمّة، لقاءات ثنائية مع نظيرَيه الصيني والروسي، تستهدف حشد دعم عملي لتجاوز الأزمة الاقتصادية الناجمة عن مفاعيل الحرب والحصار. والجدير ذكره، هنا، أن الحزمة الجديدة من العقوبات الأميركية التي وصفها وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، بأنها «الأشدّ في التاريخ»، تستهدف تصفير التجارة الإيرانية، وخنق اقتصاد البلاد، في محاولة لتقويض صمودها. ولن تقتصر مفاعيل هذه الإجراءات على طهران وحدها، بل قد تطاول مباشرة الشركات الصينية والروسية، كونها تقتضي فرض عقوبات ثانوية على الشركاء التجاريين لإيران في قطاعات الذهب، والتكنولوجيا، والأصول الرقمية، والطيران، والنقل البحري.
تسعى طهران لتوظيف القمة في بناء إجماع مناهض للإجراءات الأُحادية الأميركية
وكانت أعلنت الصين، التي تُعدّ أحد أبرز المستوردين للنفط الإيراني، «معارضتها القاطعة» للعقوبات الأميركية، معتبرةً إياها «انتهاكاً صارخاً للقوانين الدولية»، وعاملاً يؤدّي إلى «تأجيج التوترات»، مع تأكيدها في الوقت عينه أن «بكين ستتّخذ كلّ الإجراءات اللازمة لحماية حقوقها ومصالحها المشروعة بحزم»، وفق بيان لوزارة خارجيتها. كما سارعت موسكو إلى رفض الضغوط الأميركية المتجدّدة ضدّ طهران، وأكّدت المتحدّثة باسم وزارة خارجيتها، ماريا زاخاروفا، «أننا سننسّق مع شركائنا الإيرانيين، وسائر الدول المعنيّة للتصدّي لهذا الإجراء غير القانوني. وسنواصل العمل المشترك مع الدول التي تتبنّى رؤيتنا لإنهاء سياسة الضغوط والعقوبات داخل المنظومة الدولية». غير أن المحكّ الفعلي في ظلّ الحصار البحري المفروض أميركياً، والذي يعرقل حركة السفن إلى الموانئ الإيرانية الجنوبية، يتمثّل في الآليات والمسارات التي ستعتمدها روسيا والصين لمدّ يد العون إلى إيران، وتمكينها من مواجهة هذه الضغوط الاقتصادية المتصاعدة.
من جهة أخرى، شكّل التعاون العسكري والاستخباراتي بين روسيا والصين من جانب، وإيران من جانب آخر، خلال الحرب الأخيرة، إحدى أبرز ساحات الاحتكاك بين الولايات المتحدة والقوتَين الأُوليَين؛ إذ طالب المسؤولون الأميركيون مراراً بإنهاء هذه الشراكات التي تتّسم بطابعها السري في معظم الأحيان. ويأتي اللقاء المُرتقب بين بوتين وبزشكيان، بعد أيام قليلة على الزيارة النادرة التي قام بها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA)، جون راتكليف، إلى موسكو، والتي رجّح مراقبون كثر أن تكون قد تمحورت حول ملفَّي أوكرانيا وإيران. أمّا في خصوص مضيق هرمز، وبالنظر إلى الضغوط الاقتصادية وحجم الأضرار التي تتكبّدها بكين من جراء إغلاق المضيق، فيبدو أن القيادة الصينية تتطلّع إلى مرونة وتنسيق أوسع من جانب طهران في هذا الملف، علماً أن إيران حرصت، حتى في ذروة المواجهة العسكرية، على إبقاء قنوات التنسيق مفتوحة لتأمين عبور السفن والشحنات المرتبطة بالصين.
في الوقت نفسه، وفي ظلّ حضور كبار المسؤولين الباكستانيين القمة بوصف بلادهم الطرف الوسيط في مفاوضات طهران وواشنطن، يُتوقّع أن يحتلّ ملف إمكانية استئناف مسار تنفيذ «تفاهم إسلام آباد» حيزاً بارزاً من النقاشات. ويأتي ذلك في ظلّ تأكيد إيران أن أيّ خطوة لإعادة فتح مضيق هرمز، تظلّ مشروطة بعودة الولايات المتحدة إلى التزاماتها المنصوص عليها في التفاهم، ولا سيما رفع الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية.
على أيّ حال، الأكيد أن قمة «شنغهاي» تحوّلت إلى رمز لمحاولات صياغة «عالم شرقي» في مواجهة «العالم الغربي». غير أن نجاح هذا الحلف في إحداث تحوّل حاسم في موازين القوى، وتخليص إيران من وطأة الضغوط، يظلّ مُحاطاً بضبابية كبرى ومرتبطاً، إلى حدّ بعيد، بمآلات الميدان، ومسارات التفاوض الجاري خلف الكواليس.