❗️sadawilaya❗
حمزة العطار
لا تندلع المعارك على التلال عبثاً، ولا يصرّ العدو على شبر من الأرض إلا لحساب استراتيجي دقيق. وفي خضم الضغوط المتزايدة على لبنان، برز اسم مرتفع "علي الطاهر" كعنوان للصراع القادم. فلماذا كل هذا الإصرار الإسرائيلي على هذا الموقع تحديداً؟ ولماذا ترفض المقاومة التفريط به؟
أولاً: الأهمية الاستراتيجية للمرتفع
1. الإشراف والسيطرة النارية: يقع "علي الطاهر" في نقطة متقدمة مطلة مباشرة على أصبع الجليل والمستوطنات المقابلة، وعلى سهل الخيام والوزاني. من يسيطر عليه يملك عيناً مفتوحة على تحركات العدو، ويملك أفضلية رصد وتوجيه ناري.
2. خط الدفاع الأول: يشكل المرتفع حزام أمان للقرى الحدودية. الانسحاب منه يعني كشف ظهر القرى وكسر الحلقة الأولى من معادلة الردع الميداني التي أرستها المقاومة منذ 2006.
3. الرمزية الميدانية: بعد كل حرب، يتحول أي موقع متقدم إلى رمز. التفريط به يعني إيصال رسالة مفادها: "قواعد اللعبة تغيرت، والردع تراجع".
ثانياً: لماذا الإصرار الإسرائيلي؟
إن طلب إسرائيل تسليم "علي الطاهر" ليس هدفاً بحد ذاته، بل هو وسيلة لهدف أكبر. ويمكن تلخيص دوافع هذا الإصرار في 3 نقاط:
1. جسّ النبض وفتح باب التنازلات: هذا هو الأخطر. تختار إسرائيل موقعاً واحداً محدداً لتختبر رد فعل الدولة اللبنانية والمقاومة والشارع. فإن مرّ الأمر بسهولة، ينتقلون فوراً للمطلب التالي: "خمسة مواقع"، ثم "الانسحاب شمال الليطاني". "علي الطاهر" اليوم هو سابقة يراد البناء عليها غداً.
2. إنجاز إعلامي وسياسي: تحتاج حكومة الاحتلال إلى تصوير أي خطوة على أنها "فرض للقرار 1701". فتضخم من قيمة موقع واحد إعلامياً لتقول للعالم: "لقد أجبرنا لبنان على التراجع".
3. تعمية الميدان وقطع المراقبة: عسكرياً، إزالة أي نقطة رصد للمقاومة على الحدود تصب في مصلحة إسرائيل مباشرة، وتعيد لها جزءاً من حرية الحركة التي فقدتها.
ثالثاً: دروس من التجارب السابقة... لمن يريد أن يتعظ
قبل أن نكرر خطأ "خلينا نجرب"، علينا أن ننظر إلى تجارب من سبقونا في طريق التنازلات المنفردة:
- في فلسطين: راهن البعض على اتفاقيات أوسلو والتسوية الأمنية، فكانت النتيجة مزيداً من الاستيطان والتهويد والحواجز. لم يحصلوا على دولة، بل حصلوا على إدارة بلا سيادة.
- في جنوب لبنان قبل 2000: عندما اعتمد البعض منطق "التهدئة مقابل الانسحاب الجزئي"، لم يتوقف العدوان بل استمر 18 عاماً من الاحتلال. ولم يتحرر الجنوب إلا بالمقاومة.
- في سوريا: كل جولة تنازلات أمنية منفردة لم توقف الخروقات، بل فتحت شهية العدو للمزيد من المطالب.
الخلاصة من كل هذه التجارب واحدة: التنازل تحت الضغط لا يشتري أمناً، بل يشتري مزيداً من المطالب.
رابعاً: لماذا ترفض المقاومة؟
موقف المقاومة واضح وثابت، ويقوم على 3 ركائز:
1. لا تنازل أمني بلا مقابل سياسي: لا يمكن تسليم موقع استراتيجي بينما لا يزال الاحتلال قائماً في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، ولا يزال الخرق الجوي والبري مستمراً يومياً. المقايضة يجب أن تكون شاملة: أرض مقابل أرض، سيادة مقابل سيادة.
2. حماية معادلة الردع: سلاح المقاومة ووجودها الميداني هو الضامن الوحيد لعدم تكرار اجتياح 1982 و2006. أي تراجع ميداني يُفهم على أنه ضعف، والضعف يستدعي المزيد من العدوان.
3. رفض منطق "العض بالأصابع": تدرك المقاومة أن الهدف ليس "علي الطاهر" فقط. الهدف هو كسر الإرادة وكسر المعادلة. لذلك تقول بوضوح: لن نكون نحن من يفتح باب التنازلات المتسلسلة.
في الختام
إن معركة "علي الطاهر" ليست معركة تلة. إنها معركة عنوان.
فإما أن يكون لبنان دولة تُحترم حدودها وسيادتها، وتتفاوض من موقع القوة ضمن سلة إقليمية،
وإما أن يتحول إلى دولة تُبتز شبراً شبراً حتى تفرغ من مضمونها.
لهذا السبب ترفض المقاومة. ليس عناداً، بل إدراكاً بأن التنازل الأول هو الأخير.
وأن من فرّط بـ "علي الطاهر" اليوم، سيُطلب منه غداً التنازل عن الكرامة كلها.