
❗️مقال خاص صدى الولاية❗️
بقلم فتحي الذاري
في رحاب شهر ربيع الأول الأنور، تتجدد في وجدان شعب الإيمان والحكمة أنوار الذكرى العظمى، ذكرى مولد الرحمة المهداة وسيد الخلق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، للعام 1448هـ.
وفي اليمن، أرض الأنصار وأحفاد الصحابة، لا تمر هذه المناسبة مروراً عابراً، ولا تُختزل في طقوس شكلية، بل تتحول إلى موسم إيماني وشعبي جامع، تتجسد فيه معاني الانتماء والهوية، ويستمد منه اليمنيون العزيمة والصمود في مواجهة العدوان والحصار.
الاحتفالات الشعبية.. إعلان ولاء وتجديد عهد
ما تشهده ساحات اليمن من احتفالات مليونية بالمولد النبوي الشريف بات ظاهرة شعبية لافتة. فمنذ مطلع ربيع الأول، تتزين المدن والقرى والجبال والسهول بالأعلام الخضراء والأنوار، وترتفع اللافتات التي تستحضر سيرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وشعار «لبيك يا رسول الله».
وتخرج الحشود في العاصمة صنعاء وعموم المحافظات، رجالاً ونساءً وشيباً وشباباً وأطفالاً، في مشهد يستحضر ارتباط اليمنيين برسول الله ونهجه.
وهذا الخروج لا يمثل احتفالاً فحسب، بل يحمل في نظر المشاركين رسالة واضحة بأن يمن الإيمان والحكمة متمسك بهويته الإسلامية الأصيلة، ورافض لمشاريع التذويب والمسخ الثقافي والفكري.
إن إحياء هذه المناسبة يعزز الارتباط الوجداني والعقائدي بأعظم قائد عرفته الإنسانية، ويجدد معاني الحب والاتباع والاقتداء، لاستلهام القوة والشجاعة والثبات في مواجهة قوى الطغيان والاستكبار.
المولد والجهاد.. تلازم العزة والكرامة
لم يعد المولد النبوي في اليمن منفصلاً عن قضايا الأمة وميادين المواجهة. ففي الوقت الذي تمتلئ فيه الساحات بالهتاف «لبيك يا رسول الله»، يؤكد اليمنيون أن ارتباطهم برسول الله لا يقتصر على الاحتفال، بل يمتد إلى الموقف والعمل وتحمل المسؤولية.
وهذا التلازم يستند إلى قراءة متكاملة لسيرة رسول الله، فهو نبي الرحمة وقائد الأمة، وهو من واجه قريشاً وتحالفاتها، وصبر على الحصار، وقاد المسلمين في بدر والخندق وحنين.
ومن هنا يؤكد الشعب اليمني في هذه المناسبة أن شعب الإيمان والحكمة وأحفاد الأنصار لن يقبلوا الذل والخضوع، مهما اشتدت الضغوط وتصاعدت التحديات.
المقاصد الإيمانية.. أسوة وعمل
إن الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف ليس غاية بحد ذاته، بل مناسبة للعودة إلى الله وإلى نهج نبيه، واستحضار مجموعة من المقاصد الإيمانية والتربوية الكبرى.
في مقدمتها التأسي بالسيرة النبوية، واستحضار صبر رسول الله وجهاده وحكمته ورحمته وعدله، وكيف واجه حصار شعب أبي طالب، وكيف أسس مجتمع المدينة، وكيف جسد في حياته قول الله تعالى: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين».
كما تمثل الذكرى دعوة إلى العودة الصادقة إلى النهج المحمدي، والتمسك بالحق، والشجاعة في مواجهة الظلم، وتحمل المسؤولية في الدفاع عن الأمة وقضاياها.
ويشكل المولد كذلك مناسبة لتعزيز الوحدة والهوية، إذ يجتمع اليمنيون على قاسم إيماني مشترك، تحت راية «لا إله إلا الله محمد رسول الله».
إننا في ذكرى المولد لا نحتفي بماضٍ مضى، بل نستحضر منهجاً حياً لبناء الحاضر والمستقبل على هدي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، بوصفه الأسوة الحسنة في مختلف ميادين الحياة.
يمن الإيمان لا يُقهر
الرسالة التي يريد اليمن إيصالها إلى العالم واضحة: إن الشعب الذي يحتشد احتفاءً بمولد رسول الرحمة هو نفسه الذي يتمسك بعزته وكرامته وهويته، ويرفض الخضوع أمام الضغوط والحصار.
في يمن الإيمان والحكمة، لا يمثل المولد النبوي مجرد ذكرى سنوية، بل هو هوية وعقيدة ومنهج حياة ومشروع عزة وانتصار.
وسيظل اليمنيون، أحفاد الأنصار، يستحضرون مولد النور ويستلهمون من صاحب الذكرى طريقهم، مصداقاً لقوله تعالى:
«لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً».
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين.