❗️خاص صدى الولاية الإخباري❗️
على مدى نحو ثلاث سنوات، ومنذ السابع من تشرين الأول، ترسخ في لبنان مصطلح النزوح ليصف واقع آلاف العائلات التي أُجبرت على ترك منازلها، إما بسبب وجود الاحتلال والاعتداءات، وإما بسبب تدمير منازلها وأرزاقها في مناطق مختلفة من لبنان.
هؤلاء لم يختاروا النزوح.
تركوا بيوتهم قسراً، وخسر كثيرون منهم مصالحهم وأعمالهم ومصادر رزقهم، فيما ضاع لدى عائلات جنى عمر كامل تحت الركام.
هؤلاء النازحون، الذين تحملوا أعباء الحرب ونتائجها وقدموا التضحيات في سبيل أرضهم وقضيتهم والمقاومة، يستحقون أن تصان كرامتهم، لا أن يتحول نزوحهم إلى سوق مفتوحة للاستغلال.
لكن الواقع الذي يشكو منه عدد متزايد من العائلات يطرح أسئلة لا يجوز تجاهلها.
من يراقب بدلات الإيجار والسماسرة ؟
ومن يراقب أصحاب المولدات؟
ومن يراقب أسعار المياه والصهاريج؟
من يراقب التعاونيات والملاحم ؟
ومن يمنع استغلال حاجة العائلة التي لا تستطيع العودة إلى منزلها؟
وصل الأمر، بحسب شكاوى متداولة بين النازحين، إلى طلب بدلات إيجار تتجاوز500- 600 الى 700 دولار الشقق في مناطق الجنوب، والضاحية الجنوبية في وقت فقد فيه الكثير من النازحين أعمالهم أو مصادر دخلهم.
وإذا كان شح المساعدات المالية مفهوماً في ظل الظروف المالية والسياسية والحصار المفروض على مصادر التمويل، فإن غياب الرقابة المحلية ليس مفهوماً.
هنا تبدأ مسؤولية البلديات.
أين الرقابة على الإيجارات والاستغلال؟
اين لجان الاحياء؟
لماذا لم تطلب البلديات بصورة منظمة ودائمة حضور أجهزة حماية المستهلك والجهات الرقابية المختصة؟
لماذا لا تتابع تسعيرة اشتراكات المولدات والمياه والصهاريج؟
ولماذا لا تجري ملاحقة السماسرة الذين يستغلون حاجة النازحين ويرفعون الأسعار بصورة غير منطقية؟
صلاحيات البلديات ودورها المحلي يسمحان لها على الأقل بالتحرك والتوثيق واستقبال الشكاوى والتنسيق مع الإدارات والأجهزة المختصة.
والسؤال يصبح أكثر إلحاحاً عندما نتذكر أن بلديات استطاعت سابقاً اتخاذ إجراءات وقرارات شديدة تجاه النازحين أو تنظيم وجودهم في مناطقها.
فإذا كانت السلطة المحلية قادرة على فرض القيود، فلماذا تبدو عاجزة عندما يتعلق الأمر بحماية الناس من الاستغلال؟
المسؤولية لا تقع على البلديات وحدها.
أين لجان الأحياء؟
أين مسؤولو الشعب والقطاعات؟
أين مسؤولو حزب الله وحركة أمل في المناطق التي تستقبل النازحين؟
أين الوجهاء والمشايخ والفعاليات الاجتماعية؟
هذه الجهات تعرف الناس وتعرف أصحاب العقارات والمولدات والمصالح، ولديها قدرة على التواصل والتدخل وحل الكثير من المشكلات قبل وصولها إلى القضاء أو الأجهزة الرسمية.
ومن حق الناس أن تسأل أيضاً لماذا يكون الوصول إلى الناخب سهلاً ويومياً في موسم الانتخابات، بينما يصبح الوصول إلى بعض المسؤولين صعباً عندما يحتاج المواطن إلى من يقف إلى جانبه؟
هذا السؤال لا يستهدف جهة بعينها بقدر ما يضع الجميع أمام مسؤولياتهم.
أما الأخطر فهو ما يتردد بين الناس عن وجود أصحاب مصالح وسماسرة ومافيات محلية تحظى بحماية أو نفوذ يمنع محاسبتها.
هذه الادعاءات تحتاج إلى تحقيق وأدلة، ولا يجوز إطلاقها كحقائق من دون إثبات.
لكن السكوت عنها ليس حلاً أيضاً.
على البلديات والجهات السياسية المعنية أن تجيب بوضوح، وأن تنشر آليات الشكاوى والرقابة، وأن تفتح ملفات المولدات والمياه والإيجارات أمام الناس.
المطلوب ليس شعارات ولا بيانات تضامن.
المطلوب إنشاء خلية متابعة في كل بلدية معنية بالنزوح، ووضع رقم واضح للشكاوى، وتوثيق أسعار الإيجارات والمولدات والمياه، وإحالة المخالفات إلى الجهات المختصة، والتنسيق المستمر مع حماية المستهلك، وملاحقة أي سمسار يستغل حاجة العائلات.
كما يجب على لجان الأحياء ومسؤولي الشعب والفعاليات الحزبية أن تتحول إلى شبكة حماية اجتماعية حقيقية للنازحين، لا أن يقتصر حضورها على المناسبات والانتخابات.
النازح الذي خسر منزله ورزقه بسبب الاحتلال لا يجوز أن يخسر ما تبقى من كرامته بسبب جشع في الداخل.
الناس تحملت الحرب والنزوح والخسائر.
لكن قدرتها على الاحتمال ليست بلا حدود.
حماية النازحين اليوم ليست منّة من أحد.
إنها مسؤولية أخلاقية واجتماعية ورسمية.
ومن لا يتحرك اليوم لحماية الناس من الاستغلال، عليه ألا يتفاجأ غداً عندما يحاسبه هؤلاء الناس عند أول استحقاق.