نقاط على الحروف

ناصر قنديل

  • في كلام لأمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم دعوة للسلطة للتراجع عن خيارها التفاوضي بعدما تحول إلى عون لاسرائيل على لبنان واللبنانيين، ورد لرئيس الحكومة نواف سلام تجاهل دعوة الحوار ورد بالقول إن المقاومة هي العون لإسرائيل، مستعيدا موقفه باعتبار جبهة الإسناد التي فتحتها المقاومة لنصرة غزة وبعدها الانضمام إلى الحرب الدائرة بين اميركا واسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية، السبب بما لحق بلبنان، فهل هذا الكلام صحيح، وهل صحيح أن السلطة تعمل لانسحاب إسرائيل وتجد في التفاوض والاتفاق الذي نتج عنه طريقا لتحقيق الانسحاب؟

  • لا تستطيع السلطة أن تنكر انها دخلت التفاوض تحت أولويتين معا نظريا، أولوية فصل المسار اللبناني عن مسار اسلام اباد للتفاوض الأميركي الإيراني ونزع سلاح المقاومة من جهة، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من جهة ثانية، وفق موازين قوى تعترف السلطة أنها الطرف الأضعف فيها، وفي القضايا المصيرية والمحطات الحساسة، ومع عدو مثل إسرائيل وراعٍ خبيث مثل الولايات المتحدة، لا يمكن الذهاب إلى المفاوضات بأولويتين متوازيتين اذا كنت قويا، فكيف وأنت الطرف الأضعف، لأن الحصيلة الطبيعية لمثل هذه المعادلة هي تفوّق الأولوية الأولى على حساب الثانية، أي تثبيت فصل المسارين ونزع السلاح، وتراجع الانسحاب إلى مرتبة الوعد المؤجل والمشروط، والسبب بسيط وهو أن فصل المسارين ونزع السلاح هما أولوية أميركية وإسرائيلية، ولذلك سرعان ما يتحولان إلى نقطة توافق بين المتفاوضين، يُبنى عليها كل ما يأتي بعدها. وعندها لا يعود الاحتلال عقبة أمام التفاوض، بل يصبح بقاؤه أداة ضغط لنزع السلاح، كما يتحول منع السكان من العودة وتعطيل الإعمار ومواصلة التدمير إلى أوراق تفاوضية ووسائل ابتزاز تحت عنوان الضغط على بيئة المقاومة لتضغط على المقاومة، والقول إن الاحتلال لن ينسحب ولن يسمح بعودة السكان وإعادة الأعمار ما لم تسلم المقاومة سلاحها.

  • هكذا يجري الانتقال تدريجياً من التفاوض مع إسرائيل من موقع العداء إلى التصرف معها كحليف في مواجهة عدو مشترك. فما دام الطرفان يعملان معاً لفصل لبنان عن المسار الإيراني ونزع سلاح المقاومة، تصبح الاعتداءات الإسرائيلية المتمادية والوحشية مجرد «ملاحظات» يجري بحثها في جلسات التفاوض، ويصبح الاعتراض الجدي عليها خطراً يجب تجنبه، خشية أن يعود المسار الإيراني إلى الواجهة بوصفه طريقاً لفرض الانسحاب الإسرائيلي وخشية أن تعود المقاومة وسلاحها وصفة مناسبة لفرض الانسحاب على الاحتلال. ثم تعالوا نقيم كشف حساب لما تسمونه «حروب إسناد عبثية»، ونحاول استكشاف ما إذا كانت جبهة الإسناد هي التي منحت إسرائيل اليد العليا، أم أن مسار التفاوض المباشر هو الذي منحها ما لم تستطع الحصول عليه في الحرب.

  • يجب أن يكون المعيار محايداً. فلا نحن نحلم بإقناع دولة الرئيس بصواب جبهة الإسناد، ولا هو يحلم بإقناعنا ببركات مسار التفاوض ونتائجه. والمقياس الموضوعي هو مقارنة الاتفاق الذي وقّعه الأميركي والإسرائيلي بعد جبهة الإسناد، بالاتفاق الذي وقّعاه بعد الانتقال إلى التفاوض المباشر. وكل من الاتفاقين يساوي الآخر في صعوبة التنفيذ، ليظهر بوضوح انه في اتفاق تشرين الثاني 2024، اضطر الأميركي والإسرائيلي إلى قبول نص واضح على الانسحاب الإسرائيلي خلال ستين يوماً. أما في «اتفاق الإطار» الذي أنتجه مسار التفاوض المباشر، فقد اختفت كلمة الانسحاب وحلّت مكانها عبارة «إعادة الانتشار». ولم تعد مغادرة الاحتلال التزاماً محدداً بجدول زمني، بل صارت احتمالاً مؤجلاً ومشروطاً بنزع السلاح وقبول إسرائيل بنتائج «التحقق». وربطت بها عودة السكان وإعادة الإعمار، من دون أي موعد ملزم. فمَن منح إسرائيل اليد العليا: جبهة الإسناد أم التفاوض المباشر؟

  • أما دخول المقاومة الحرب الأميركية، الإيرانية في الثاني من آذار، فلم يأتِ متسرعاً، بل بعد صبر امتد خمسة عشر شهراً على الخروقات والاعتداءات والاحتلال. وقد أفضى المسار الأميركي الإيراني التفاوضي إلى نص واضح يشمل لبنان بوقف الحرب، بما يضمن وحدة أراضيه وسلامتها ويحفظ سيادته.لكن السلطة اللبنانية، بدلاً من التقاط هذه الفرصة والبناء عليها لفرض الانسحاب، انضمت إلى الأميركي والإسرائيلي في جبهة واحدة لإسقاطها. وهذا ما ظهر في بيان الجولة الرابعة من مفاوضات مسار واشنطن، عندما تضمّن البيان الثلاثي اعتبار إيران عدواً مشتركاً، وجعل نزع سلاح المقاومة هدفاً مشتركاً. هنا لم نعد أمام مفاوضات بين لبنان وإسرائيل على انسحاب الاحتلال، بل أمام تعاون سياسي ثلاثي لمواجهة إيران والمقاومة. وقد عبّر الرئيس الأميركي بوضوح عن الحصيلة الحقيقية لهذه المفاوضات، معلنا نشوء حلف ثلاثي في مواجهة إيران والمقاومة. أما الاحتلال والاعتداءات والأسرى وعودة السكان وإعادة الإعمار، فقد باتت ملفات مؤجلة، تستخدمها إسرائيل للضغط على لبنان وإجباره على تنفيذ الجزء الذي يعنيها من الاتفاق وهو بقاء احتلالها بغطاء الاتفاق، بينما السلطة تريد استخدام الاحتلال وبقائه للضغط من أجل نزع السلاح.

  • لذلك لا يكفي، يا دولة الرئيس، أن تقولوا إن الدولة ملتزمة إزالة الاحتلال وإعادة الأسرى وتأمين العودة والإعمار. السؤال هو، أين أصبحت هذه الالتزامات في سلم الأولويات الفعلية؟ وأي ورقة ضغط بقيت بين أيديكم لتحقيقها بعدما أسقطتم المسار الإيراني الذي فرض إدراج الانسحاب والسيادة في الاتفاق، وقبلتم أن يصبح نزع السلاح شرطاً لوعد مؤجل ومبهم بالحصول على بعض الحقوق اللبنانية؟

  • اليوم وبعدما بدا أن الاتفاق في مأزق أعجز من أن يحقق شيئا، ربما تكون دعوة الشيخ نعيم قاسم في وقتها لبدء حوار بين السلطة والمقاومة، وما المشكلة ما دمتم تحاورون العدو الذي يحتل الأرض فما المانع أن تحاوروا من تعتبرونه عدوا آخر، يفترض أنه من أبناء البلد، لإعادة تحديد أولوية واحدة هي الانسحاب الإسرائيلي، والاستفادة من كل عناصر الضغط المتاحة بما فيها المسار الإيراني، على قاعدة تمسك السلطة بأنها وحدها من يفاوض عن لبنان وتمسكها بالدعوة لحصر السلاح بها، لكن دون تحويل هذين الهدفين إلى أولوية تتقدم على فرض الانسحاب الإسرائيلي، ودون منح الاحتلال فرصة المشاركة في اعتبار موقف السلطة قاعدة مشتركة للتحالف معها، وشرط أن يكون حصر السلاح مسألة سيادية يبقى بعدم منح الاحتلال فرصة تحويلها إلى شرط للانسحاب الذي يمثل حقا قائما بذاته للبنان، عندها ربما يكون متاحا مطالبة المقاومة بمبادلة الايجابية بإيجابية مثلها بما يعزز موقع لبنان التفاوضي.