حمزة العطار
في الشرق الأوسط، لا تأتي طاولات التفاوض إلا بعد جولات من النار. هذا ما يحدث الآن. الضربات السعودية الأمريكية في العراق يوم 29 تموز 2026 ليست إعلان حرب، بل هي مقدمة لاتفاق. إنها "دبلوماسية العصا" تسبق "دبلوماسية الجزرة".
السؤال لم يعد: هل ستكون هناك حرب؟ بل: متى سيبدأ التفاوض، وبأي شروط؟
أولاً: فرضيات المشهد الحالي
المشهد اليوم يقوم على ثلاث فرضيات أساسية.
الفرضية الأولى هي "الضغط الأقصى". واشنطن والرياض تستخدمان القوة العسكرية لإعادة إيران إلى طاولة المفاوضات من موقع ضعف. الهدف ليس إسقاط النظام، بل كبح برنامج المسيرات والصواريخ مقابل تخفيف العقوبات.
الفرضية الثانية هي "إدارة التصعيد". جميع الأطراف لا تريد حرباً شاملة. إيران منهكة بالعقوبات، وأمريكا منشغلة بالصين والانتخابات، والسعودية تركز على مشاريع "رؤية 2030". لذلك الضربات الحالية هي رسائل محسوبة بدقة وليست قرارات استراتيجية بالذهاب إلى الحرب.
الفرضية الثالثة هي "العراق كساحة". تحول العراق من لاعب إلى ساحة صراع. الضغط على بغداد يهدف لإجبارها على ضبط الفصائل، وجعلها طرفاً مجبراً في أي تسوية قادمة.
ثانياً: شكل الرد الإيراني المتوقع
طهران أمام معادلة صعبة: الرد ضروري لحفظ الردع، لكن التصعيد مكلف.
المرجح أن يكون الرد "شكلياً ومحسوباً". أي استهداف رمزي لقاعدة أمريكية في سوريا أو العراق، أو زيادة محدودة في وتيرة المسيرات. الهدف هو إيصال رسالتين: للداخل "لم نسكت" وللخارج "نحن مستعدون للتفاوض".
أما سيناريو الرد الكبير والمباشر، فهو مستبعد حالياً لأنه يعني دخول المنطقة في دوامة لا يريدها أحد.
ثالثاً: الإطار الزمني التقريبي للتفاوض
إذا صحت فرضية "التفاوض بالنار"، فإن الأسابيع القليلة القادمة ستسير على النحو التالي.
خلال الأسبوعين الأولين من شهر آب سنشهد مرحلة "جس النبض". ستستمر الضربات المحدودة والردود الرمزية، وبالتوازي ستبدأ تحركات دبلوماسية سرية عبر قنوات عُمان والعراق لجس نبض كل طرف.
ومع منتصف إلى أواخر آب، ستنتقل الأمور إلى مرحلة "الوساطة العلنية". هنا سيظهر دور دولة وسيطة، والأرجح أن تكون قطر أو عُمان، للإعلان عن استعدادها لرعاية محادثات. وبالتزامن مع ذلك ستبدأ تهدئة ميدانية غير معلنة.
أما شهري أيلول وتشرين الأول، وقبل الذروة الانتخابية في أمريكا، فمن المتوقع الإعلان عن "تفاهمات" أو "وقف تصعيد". قد يتضمن ذلك تجميداً جزئياً للهجمات مقابل تسهيلات نفطية أو مالية لإيران.
وأخيراً، بعد الانتخابات الأمريكية، ستبدأ مرحلة "تثبيت الاتفاق". حيث سيتم تحويل هذه التفاهمات إلى اتفاق أطول أمداً، مرتبط بشكل مباشر بمصير العقوبات على طهران.
رابعاً: من سيرعى التفاوض؟
هناك ثلاثة أسماء مطروحة. عُمان هي الأفضل للقنوات السرية الأولى بسبب حيادها التاريخي وثقة طهران وواشنطن بها.
قطر هي الأقدر على الإعلان العلني ورعاية الاتفاق النهائي لعلاقاتها الجيدة مع جميع الأطراف.
أما العراق فقد يحاول لعب دور "المستضيف" لاستعادة جزء من هيبته، لكنه يبقى الطرف الأضعف في إدارة الملف.
الخاتمة
"التفاوض بالنار" ليس جديداً على المنطقة. لكن الجديد هو أن الجميع متعب من الحرب.
الضربات الحالية هي ثمن الدخول إلى الطاولة. والأسابيع القادمة ستحدد ما إذا كانت النار ستخمد باتفاق، أم أنها ستشعل جولة أطول.
المنطقة اليوم لا تختار بين الحرب والسلام. تختار بين "حرب صغيرة الآن" أو "تفاوض صغير الآن".