لـبـنـان فـي زمـن الـحـرب: مـجـتـمـع يـتـحـرّك بـيـن الأمـكـنـة ولا يـغـادرهـا
نـدى أيـوب
حين تقع الحرب، تبدو الخرائط العسكرية وكأنّها تختصر المشهد: جبهات، مناطق مُهدّدة، قرى مُهجّرة، ومدن تستقبل النازحين.
غير أن هذه الخرائط لا تكشف سوى البعد الجغرافي للصراع؛ فهي تُخبر أين وقع القصف، ومن نزح، وإلى أين انتقل
لكنها لا تُظهر ماذا حدث للعائلة التي توزعت بين الجنوب وبيروت ودول الإغتراب...
ولا كيف تتحوّل التحويلات والاتصالات وشبكات التضامن جزءاً من بنية الصمود الاجتماعي.
لذلك، لا يمكن النظر إلى لبنان في زمن الحرب كخريطة تتحرّك داخلها الجماعات.
بل كشبكة من الروابط تعبر الدول، كما تصل بين أماكن محددة: القرية والحي، والمدينة والمخيم، ومكان الإقامة ومسقط الرأس.
وبهذا المعنى، لا يعود المكان نقطة ثابتة على الخريطة، بل يغدو عقدة داخل شبكة من العلاقات والذكريات والعادات والموارد.
لذلك، لا تقتصر الحرب على تدمير المكان بوصفه حجراً، بل تعيد تشكيل هذه الشبكة بأكملها، التي يشكّل المكان أحد محاورها الأساسية.
ولأن المعركة مع إسرائيل على الأرض ليست عسكرية فقط، بل معركة على إمكان العيش في الجنوب.
فالتهجير النهائي قد لا ينتج من القصف وحده، بل من فشلٍ اقتصادي واجتماعي وعجز الناس عن استعادة حياتهم.
لذلك يصبح تثبيت السكان وإعادة شروط الحياة جزءاً من المقاومة، ومن حماية المجتمع.
والنظر إلى لبنان باعتباره مجتمعاً عابراً لـ»المحليات» يجعل من الأسئلة حول تجربة النزوح تتجاوز أعداد النازحين:
أيّ الروابط صمدت وأيّها تفكّك؟ وكيف تحرك المال والرعاية والمعلومات؟ ومن بقي خارج شبكات الدعم؟
ولأن اللبنانيين يعيشون بين أمكنة مُتعدّدة، وفيها، تضرب الحرب شبكة كاملة من العلاقات تمتدّ من الجنوب إلى بيروت، ومنها إلى أفريقيا والخليج وأوروبا والأميركتين.
لذلك، لا يقتصر الصمود على مجرّد البقاء الجسدي، بل يتحقّق حين ينجح المجتمع في إعادة وصل ما يسعى العدو إلى قطعه:
الإنسان بأرضه، والعائلة بأفرادها، والقرية بمغتربيها، والحاضر بذاكرته، والإغاثة بمشروع المستقبل.
خلال السنوات الثلاث الماضية، واكبنا ملف النزوح بمختلف جوانبه، ورصدنا المبادرات الأهلية...
وراقبنا أداء حكومتَيْ نجيب ميقاتي ونواف سلام خلال جولتي الحرب الإسرائيلية على لبنان عامي 2024 و2026
بالتوازي مع متابعة أداء وكالات الأمم المتحدة العاملة في المجال الإنساني.
وتسمح هذه المتابعة بالخروج بمجموعة من الخلاصات حول تجربة النزوح الجنوبي، التي شارفت على إتمام عامها الثالث.
الـنـزوح لـيـس قـطـيـعـة
في كتاب جماعي حديث حرّره بنيامين إيتزولد وماري غودان، تُطرح مقاربة لفهم الحرب والنزوح من خلال مفهوم «الحياة العابرة للمحليات».
بمعنى أنّ النزوح ليس مجرّد انتقال من مكان إلى آخر، بل عملية قد يؤثّر بنتيجتها النازح في المكان الذي يصل إليه اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً.
وتُظهِر تجربة النزوح الجنوبي أن مناطق الاستقبال انتعشت اقتصادياً، كما أنّ النازح يحمل عاداته ومخاوفه وهويته
وربما صراعاته السياسية والاجتماعية، وما يُفسّر جانباً من هواجس أصحاب ثقافة «ما بيشبهونا»..
الذين ينظرون إلى النازحين بوصفهم فاعلين في إعادة تشكيل الأمكنة التي يقصدونها.
ويُظهِر التاريخ الاجتماعي للبنان، صوراً مكثّفة لإرتباط الجنوب ببيروت عبر النزوح لغايات العمل والتعلّم و...
كما تثبت تجربة الاغتراب اللبناني أنّ المهاجرين لم ينفصلوا عن مجتمعاتهم الأصلية
بل وسّعوا مجالها الحيوي عبر التحويلات المالية، وبناء المنازل، ودعم المؤسسات والعائلات.
وتُسلّط الحرب الضوء على قيمة هذه الروابط، إذ تتحوّل من علاقات موسمية بين المغترب والقرية إلى شبكة إنقاذ:
تُجمع التبرعات، وتُؤمَّن المساكن، وتُنقل العائلات، وتُرسل الأدوية، وتُموّل أعمال الترميم، وتُستخدم العلاقات الشخصية لتأمين التعليم والعلاج والعمل.
فالنازح لا يبقى متلقّياً للمساعدة فقط، بل يصبح صلة وصل بين عائلته ومؤسسات الدعم
فيما يتحوّل من بقي في القرية إلى حافظ للمعلومات والممتلكات ووكيل عن الغائبين.
الـحـفـاظ عـلـى روابـط الـمـجـتـمـع الـجـنـوبـي
اللغة الإدارية تُصنّف الناس بين «مقيم» و«نازح»، وكأنّهم يعيشون في عالمين منفصلين.
لكنّ واقع الحال أكثر تعقيداً؛ فالعائلة الواحدة قد تتوزّع بين أمكنة عدّة:
أب يبقى قرب البلدة لمتابعة الأرض أو العمل، وأمّ تنتقل مع الأطفال إلى منطقة أكثر أمناً، وأقارب في الخارج يرسلون دعماً مالياً.
وهذا التوزّع ليس دائماً خياراً، بل استجابة لما تتيحه الموارد.
إذ يطرح النزوح سؤالاً حول من امتلك القدرة على الحركة، ومن حُرم منها بسبب الفقر، أو غياب خطط إجلاء رسمية، أو ارتفاع الإيجارات، أو عدم توفّر مراكز نزوح لائقة.
بهذا المعنى، لا تنتج الحرب الحركة فقط، بل تنتج أيضاً اللاحركة القسرية.
فالقدرة على الفرار ليست موزّعة بالتساوي بين الناس؛ فمن يملك سيارة ومالاً وشبكة علاقات في منطقة آمنة ليس كمن يفتقر إلى هذه الموارد
ومن يحمل جنسية أجنبية ليس كمن لا يملك سوى البقاء تحت الخطر.
فتكشف الحرب، أنّ الحركة نوع من رأس المال، وأبعد من فعل جسدي بسيط...
حيث يستطيع البعض تحويل علاقاتهم إلى ممرات نجاة، بينما يجد آخرون أنفسهم مُحاصرين.
لذلك، لا يكمن السؤال فقط عن أعداد النازحين، بل عن طبيعة الروابط التي تمكّنت العائلات والمجتمع الجنوبي من الحفاظ عليها، وتلك التي تمزّقت تحت ضغط الحرب.
الـمـجـتـمـع الـشـبـكـي لا يُـعـفـي الـدولـة
تقع مسؤولية الحماية والإغاثة والإسكان والتعويض وإعادة الإعمار، على عاتق الدولة، ولا يُمكن إعفاؤها من واجباتها بذريعة ضعف قدراتها.
إلا أنّ الحروب الإسرائيلية المتكررة على لبنان أثبتت أنّ الجزء الأكبر من آليات البقاء لم يكن نابعاً من الدولة وحدها
بل من تحرّك الجمعيات والمؤسسات الدينية والروابط العائلية والمبادرات الفردية وشبكات المغتربين.
وغالباً ما تعمل هذه الاستجابات خارج إطار خطة مركزية موحّدة، وهو ما يُعرف بـ«العمل الإنساني الشبكي».
وعلى الرغم من أهميته في توفير الدعم السريع، لكنه يحمل مخاطر إعادة إنتاج الانقسامات المناطقية والطائفية
كما في حالة بعض الجمعيات التي حصرت تدخّلها في مناطق محدّدة جنوباً
أو تلك التي وزّعت مساعدات وفق شبكات القرب والعلاقات، مستفيدة من صلات شخصية وسياسية.
كما أن الاعتماد المُفرط على التضامن الأهلي قد يترك الفئات الأكثر هشاشة خارج شبكات الحماية، مثل العمال الأجانب.
لذلك، لا يمكن النظر إلى المجتمع الأهلي بوصفه بديلاً عن الدولة أو نظاماً قائماً بذاته
بل اعتباره شبكة موجودة تحتاج إلى تنظيم وربطها بسياسة عامة واضحة.
فحين تجاهلت وزيرة الشؤون الاجتماعية هذه الشبكات، فقدت الدولة جزءاً من المعرفة الميدانية الضرورية لفهم الاحتياجات الفعلية وإدارة الاستجابة وفقها.
في المقابل، بدت الاستجابة خلال حرب الـ66 يوماً، بقيادة الوزير السابق ناصر ياسين، أكثر فاعلية ومرونة...
انطلاقاً من اعتماد نموذج لامركزي جمع بين دور الوزارة وشبكة من الجمعيات والمبادرات الأهلية والأندية والمجالس البلدية المحلية.
وفي المقابل، فإن الشبكات التي تعمل من دون معايير واضحة قد تتحوّل إلى أنظمة زبائنية مُغلقة، توزّع الحماية وفق القدرة على الوصول لا وفق الحاجة.
لذلك يبقى التحدّي الأساسي هو بناء صيغة تجمع بين دولة تتحمّل مسؤوليتها كاملة، ومجتمع يحتفظ بقدرته على المبادرة
ويكون شريكاً منظّماً في الاستجابة لا بديلاً عن المؤسسات العامة.
الـعـنـف الـمـتـعـدّد الأبـعـاد
عندما يُقصف منزل في الجنوب، يمتد أثر القصف إلى الأسرة المقيمة في بيروت، وإلى الابن العامل في الخليج، وإلى الأقارب في أميركا.
بهذا المعنى، يتحوّل الخوف والمسؤوليات العاطفية والمالية إلى سلسلة عابرة للأمكنة
فقد ينجو الإنسان جسدياً من الخطر، لكنه يظل يعيش الحرب لحظة بلحظة...
يتصل بأهله بعد كل غارة، ويتابع أخبارهم بقلق، وقد يحمل شعوراً بالعجز أو الذنب.
ووفق هذه المقاربة، لا ينتهي العنف بانتهاء الانفجار، بل يتحوّل إلى سلسلة متراكمة تمتد عبر الزمن والأمكنة.
فالعنف الإسرائيلي ضد الجنوبيين لا يبدأ بالقصف وينتهي به، بل يتواصل عبر النزوح، وفقدان العمل، وارتفاع الإيجارات...
واضطراب التعليم، وتوتّر العلاقات العائلية، والتنافس على الموارد، وصولاً إلى خطابات التحريض ضد النازحين.
لذلك، فإن قياس خسائر الحرب بعدد الشهداء والجرحى والمباني المُدمّرة، على فداحته، يبقى عاجزاً عن احتساب كلفة تفكّك الإيقاعات اليومية للحياة.
فهناك طفل يتنقّل بين مدارس عدة، وأمّ تفقد شبكة الدعم التي كانت تستند إليها، وعائلة تؤجّل علاجاً أو مشروعاً ضرورياً، وقرية أُخليت تفقد إيقاعها الاجتماعي المعتاد.
إنها، في المحصّلة، خسارة للزمن الاجتماعي بقدر ما هي خسارة للمكان المادي.
الـجـنـوب لـيـس هـامـشـاً
على امتداد الحروب التي اختبرها الجنوب منذ نشوء الكيان الصهيوني على حدوده...
سادت صورة توحي بأن بيروت وبقية المناطق اللبنانية تعيش حالة منفصلة عن العدوان الدائر
فيما كان بعض أبناء الجنوب ينظرون بغضب إلى مشاهد السهرات والاحتفالات بينما كانت الصواريخ تسقط على منازلهم وحولهم.
لكن هذه الصورة، على قسوتها، تبقى أسيرة الظاهر؛ فالجنوب ليس مجرّد منطقة حدودية يمكن ترتيب وضعها في تفاهم منفصل مع العدو
ولا هامشاً معزولاً عما يجري في لبنان، بل هو جزء مكوّن من شبكات الاقتصاد والعائلة
والتعليم والعمل، والسياسة. والأهم، هو أنّ الجنوب، كونه المنطقة الحدودية مع الكيان الصهيوني...
يكتسب أهمية مضاعفة بالنسبة إلى الدول التي ترسم سياساتها وتسخّر قدراتها لضمان حفظ أمن إسرائيل
فيصبح الجنوب وأحواله وترتيباته في الأمن والسياسة بوابة الحديث مع العالم، أكثر من أي عنوانٍ لبناني داخلي آخر.
وعندما تتعطّل الزراعة في القرى الحدودية، لا يبقى أثر ذلك محصوراً في تلك القرى.
وعندما تنزح الأسر إلى صيدا أو الضاحية، ومنها إلى البقاع أو الجبل أو الشمال...
فإنها تعيد تشكيل أنماط الإنفاق والسكن والعمل في المناطق المُستقبِلة.
وحين يُدمّر منزل، لا تضيع مجرّد قيمة عقارية في الجنوب، بل تنقطع عقدة أساسية تربط الأسرة بالقرية وبالذاكرة. وحين تندلع الحرب في الجنوب تنسحب الآثار الاقتصادية والمالية على البلد برمّته
وحين لا تتأخر إعادة الإعمار لن يتمكّن النازحون من العودة وستتحوّل الإقامة المؤقّتة إلى دائمة في المناطق المُستقبِلة.
من هنا، لا يمكن اختزال الإعمار في إعادة بناء الحجر، بل في إعادة بناء المجال الاجتماعي الذي يجعل الاستقرار في الجنوب ممكناً.
ويعني ذلك ضمان الأمن، وربط الجنوبي بالخدمات الأساسية، والمدرسة بطلابها، والأرض بمن يزرعها، والقرية بمغتربيها، والأسرة بأفرادها، والسوق المحلي بمورّديه وزبائنه.
وهذا يكتسب أهمية إضافية في ظل المخاوف من مشاريع تؤدّي إلى تفتيت مجتمعات جبل عامل الجنوبية وتشتيت سكانها في مختلف المناطق اللبنانية.
مـن الإغـاثـة إلـى صـنـاعـة الـمـسـتـقـبـل
تعمل هيئات الأمم المتحدة في بلدان مثل لبنان عادةً وفق مسارين: خطط استجابة طارئة للأزمات خلال الحروب والكوارث، وخطط تنموية طويلة الأمد في مراحل الاستقرار.
وغالباً ما تبدو الاستجابة الطارئة أكثر فاعلية ووضوحاً، فيما تواجه خطط التنمية المُستدامة تحدّيات كبرى...
سواء بسبب طبيعة النظام السياسي والإداري، أو بسبب ضعف التنسيق، وأحياناً اختلالات داخل بعض الهيئات والمنظّمات الدولية نفسها
بما يفتح المجال أمام علاقات غير صحية مع المسؤولين الرسميين.
ويمكن لشبكات التضامن المحلية أن تستفيد من هذا النموذج، عبر الانتقال من منطق الاستجابة المؤقّتة عند وقوع الحرب إلى تبنّي سياسات تنموية مُستدامة، بحيث لا ينتهي دورها مع وقف إطلاق النار.
فالتضامن الاستثنائي الذي ظهر من الداخل ومن المغتربين يمكن تحويله إلى أدوات دائمة:
صناديق لدعم التعليم، ومراكز صحية، ومشاريع زراعية، وصناعات محلية، وغيرها من المبادرات التي تهدف إلى تثبيت الجنوبيين في أرضهم وتعزيز قدرتهم على البقاء.
كما يمكن للمتطوّعين والمبادرات والجمعيات الانتقال من العمل الموسمي المرتبط بالأزمات إلى مؤسسات أكثر تنظيماً..
يكون من أهدافها بناء جسور مُستدامة بين مناطق النزوح والبلدات الأصلية.