الاخبار:: يحيى دبوق السبت 18 تموز 2026
يواجه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، معادلة شائكة حيال إيران، تضعه أمام خيارات أحلاها مرّ؛ إذ إن التراجع والاعتراف بالفشل سيؤدّيان إلى تكبّد خسارة سياسية فادحة في محطّة مفصلية من ولاية ترامب الثانية، في حين أن الاستمرار في مواجهة متصاعدة من دون أفق واضح، سيؤدّي إلى بقاء مضيق هرمز مُغلقاً، وهو ما يعني العودة إلى المربع الصفر. وأمّا محاولة فتح المضيق بالقوة، بما يشمل غزواً برياً للساحل الجنوبي لإيران، فهي ستمثّل خياراً كارثياً - نظراً إلى كلفها الباهظة والمخاطر الجسيمة التي تنطوي عليها - يرفضه حتى المستشارون العسكريون للرئيس. وهكذا، تجد الإدارة نفسها في دائرة مُفرغة من الاستنزاف الذي لا يفتح على تحقيق انتصار حاسم، بل ينذر بتداعيات قد تعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية، إنّما لمصلحة إيران.
وكان ترامب، في مسعًى منه لكسر هذا الجمود، بادر إلى الإعلان عن خطوة طائشة أبعد ما تكون من خطّة عسكرية مُحكمة، تقضي بتولّي الجيش الأميركي فتح المضيق، وفرض رسوم عبور بنسبة عشرين في المئة على جميع السفن التجارية، في خطوة تهدف إلى إعادة تقديم واشنطن بوصفها الحارسة الرسمية للممرّ المائي. على أن هذا الطرح، الذي يمثّل قطيعة مع النظام الدولي الذي نصّبت الولايات المتحدة نفسها أمينةً عليه، لم يلقَ أيّ تفاعل يُذكر في الأسواق العالمية أو لدى القوى الكبرى؛ إذ فضّل الفاعلون الدوليون تجاهل التعامل معه بوصفه هذياناً جديداً صادراً عن ساكن البيت الأبيض، وليس استراتيجية واضحة قابلة للتنفيذ. وعليه، لم يتأخّر ترامب قبل أن يتراجع عن إعلانه، ولا سيما بعد تدخّلات من داخل جهات في الإدارة أوضحت للرئيس التعقيدات القانونية المرتبطة بالاتفاقيات الدولية المُنظِّمة للملاحة، والعوائق العسكرية التي تحول دون تنفيذ هكذا مطلب، وهو ما يكشف عن فجوة عميقة بين رغبات ترامب وقدرات المؤسّسة التنفيذية لديه، التي ما زالت عاجزة عن تقديم بدائل واقعية للخروج من الورطة.
إثر ذلك، عاد ترامب إلى منصّته للتواصل الاجتماعي، ليصوغ رواية بديلة تتجاهل فكرة فرض الرسوم، وتختزل الهدف الجوهري للصراع مع إيران بمنعها من حيازة السلاح النووي، في ما يكشف عن إدراك متأخّر لكون المواجهة المفتوحة في المضيق ليست متكافئة، واضطرارٍ إلى العودة إلى سقف مطالب أكثر واقعية، تضمن للولايات المتحدة الاحتفاظ بورقة ضغط دبلوماسية، من دون الغرق في مستنقع حرب استنزاف إقليمية. مع ذلك، وعلى الرغم من أن واشنطن تدرك أن انفلات التصعيد العسكري سيؤدّي إلى نتائج عكسية تهدّد مصالحها ومصالح حلفائها، فإن إدراكها هذا لا يُترجَم إلى رؤية دبلوماسية ناضجة؛ إذ يستمرّ ترامب في المناورات الإعلامية والمراهنات التي لا تفعل سوى إبقاء المنطقة على فوهة بركان، من دون أن تقدّم للإدارة الأميركية مخرجاً حقيقياً من أزمتها.
هكذا، لا يَظهر أمام الولايات المتحدة، في ظلّ سياستها الراهنة، أيّ أفق لإنهاء الأزمة، في حين تتمسّك إيران بمضيق هرمز بوصفه ورقة ضغط استراتيجية لا يمكنها التخلّي عنها في مواجهة التهديدات الحالية والمستقبلية. ويحشر هذا الإصرار الإدارة الأميركية في معضلة مزدوجة، تتمثّل في استحالة الاستسلام للنفوذ الإيراني من جهة، وفي العجز عن منع طهران من بسط سيطرتها الفعلية على الممرّ المائي من جهة أخرى. وما بين هذَين الخيارَين، يبقى احتمال التوصّل إلى تسوية مفاجئة، تضمن لطهران ما تصبو إليه، وتوفّر في المقابل لواشنطن تعويضاً في ملفّات أخرى عالقة، يمكنها من خلاله الترويج لإنجاز ما؛ علماً أن إيران باتت تعتبر أن الهيمنة على المضيق تفوق في أهميتها الملف النووي نفسه، وهو ما يفرض على الإدارة الأميركية إعادة ترتيب أولوياتها، وقبول مساومات مؤلمة، لا تَظهر حالياً معنيّة بها. وعلى الرغم من أن ترامب يواصل التسويق لتلهّف إيراني إلى إبرام تسوية، فإن الثبات الإيراني في المواجهة لا يفتأ يدحض تلك الادّعاءات.
أيّاً يكن، فالأكيد أن التحوّل الأميركي من أهداف استراتيجية كبرى، تشمل إسقاط النظام في طهران، والاستيلاء على النفط الإيراني، وفرض السيطرة على عملية اختيار القادة وسياسات الدولة الإيرانية، إلى محاولات يائسة لإعادة الأوضاع في مضيق هرمز إلى ما كانت عليه قبل انطلاق العمليات العسكرية، إنما يمثّل اعترافاً ضمنياً بالفشل الاستراتيجي الذي يحاصر ترامب في زاوية ضيّقة، لا تتيح له سوى المُراوحة التي تزيد من عمق أزمته.

