لقد كان لعقد قمة "الناتو" في أنقرة دلالات كثيرة بالنسبة إلى منطقة الشرق الأوسط، إذ تضمنت استرضاءً أوروبياً لترامب وإعلاناً صريحاً لدعمه في سعيه لإعادة السيطرة الأميركية – الغربية على مضيق هرمز.
في تطور مفاجئ، قامت القوات الجوية السعودية بقصف مطار صنعاء بذريعة قيام طائرة إيرانية مدنية بالهبوط في المطار في خرق للحصار السعودي المفروض على الأجواء اليمنية منذ عام 2015. هذا التطور جاء بالتوازي مع التصعيد الأميركي في منطقة مضيق هرمز منذ الخميس الماضي ضد إيران، بذريعة استهداف البحرية الإيرانية سفناً لم تمتثل للتعليمات الإيرانية التي تقوم بتنظيم المرور في المضيق بناءً على مذكرة التفاهم الإيرانية- الأميركية.
بل إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ذهب إلى حد الإعلان عن انتهاء المذكرة. لا يمكن فصل هذين التطورين عن بعضهما البعض، كما لا يمكن فصلهما عن قمة حلف شمال الأطلسي "الناتو" التي عقدت في أنقرة أواخر الأسبوع الماضي، بل يمكن القول إن هذا التصعيد الأميركي- السعودي جاء ترجمة لمقررات قمة "الناتو".
دور تركي في مواجهة إيران
لقد كان لعقد قمة "الناتو" في أنقرة دلالات كثيرة بالنسبة إلى منطقة الشرق الأوسط، إذ تضمنت استرضاءً أوروبياً لترامب وإعلاناً صريحاً لدعمه في سعيه لإعادة السيطرة الأميركية – الغربية على مضيق هرمز، خلافاً لموقف الأوروبيين السابق بالامتناع عن المشاركة أو تقديم الدعم للأميركيين في الحرب التي يشنونها ضد إيران منذ شباط / فبراير الماضي.
كذلك، فإن عقد القمة في أنقرة كانت له دلالات لجهة إعطاء دور ريادي لتركيا في منطقة الشرق الأوسط، بعدما سبق وانتزع منها هذا الدور في عام 2013 عقب فشل تنظيم الإخوان المسلمين في الاحتفاظ بالسلطة في مصر، والإطاحة بهم بانتفاضة شعبية توّجت بسيطرة الجيش بقيادة وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي على مقاليد السلطة، وعقب فشلهم في السيطرة على السلطة في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وغيرها من دول الخليج كبديل عن الأسر الحاكمة فيه.
ومن مؤشرات إغداق دور ريادي على تركيا قبول ترامب بتزويدها بطائرات إف 35 التي كانت قد طلبتها قبل سنوات، بالتوازي مع انتشار أخبار عن بيع أنقرة منظومات إس 400 الروسية، والذي شكل شرطاً أساسياً بالنسبة إلى واشنطن لقبول تزويد أنقرة بطائرات إف 35.
بناء على ذلك، يمكن الاستنتاج بأن الولايات المتحدة التي عوّلت على "إسرائيل" في السنوات الثلاث الماضية في إحداث التغيير الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط لضمان سيطرتها عليه، وجدت أن "تل أبيب" كانت قاصرة عن تحقيق الأهداف المرسومة، خصوصاً لجهة ضرب إيران واحتوائها وضرب حلفائها في منطقة الشرق الأدنى بما يضمن عدم وصول روسيا والصين إلى هذه المنطقة ومنها إلى شرق المتوسط.
بناءً على هذا الفشل، وجدت واشنطن أنه عليها الاستعانة بأنقرة. ووفقاً للتقديرات، فإن من شأن تركيا أن تلعب دوراً محورياً في سوريا ولبنان بالتعاون مع المملكة العربية السعودية بما يؤدي إلى إغلاق البلدين أمام أي "نفوذ" إيراني عبر حلفائها في المقاومة اللبنانية، ويسهم في خنق حركات المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الصهيوني.
ومن المفترض لهذا الدور التركي أن يكون مكملاً لدور أنقرة في منطقة جنوب القوقاز إذ أسهم التدخل الأميركي في نقل أرمينيا من موقع الحليف لروسيا وإيران إلى موقع التابع للولايات المتحدة وتركيا، في ظل حكم رئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان الذي ضحى بإقليم ارتساخ وبأراض أرمينية أخرى ليتيح المجال أمام تركيا للتواصل مع أذربيجان والانطلاق منها إلى تركمانستان على الضفة الشرقية من بحر قزوين بما يتيح لها التغلغل في منطقة وسط آسيا التي تع الخاصرة الرخوة بالنسبة إلى لأمن القومي الروسي والإيراني والصيني.