جليل هاشم البكاء
على مدى عقود، بنت الولايات المتحدة صورتها العسكرية على أنها القوة التي تمتلك أكبر جيش في العالم، وأنها قادرة على حسم الحروب بسرعة، معتمدة على التفوق الجوي والتقني وحاملات الطائرات والأسلحة الدقيقة. وكانت الرسالة التي حرصت على إيصالها دائمًا هي أن خصومها هم من يضطرون إلى البحث عن وسائل غير تقليدية لتعويض الفارق الهائل في موازين القوة.
لكن الحروب لا تقاس بالشعارات، بل بما تفرضه ساحات القتال من وقائع. وعندما تعلن الولايات المتحدة عن استخدامها طائرات مسيّرة أحادية الاستخدام وقوارب مسيّرة هجومية في مواجهة إيران، فإن هذا الإعلان يفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول طبيعة التحولات التي طرأت على ميزان الردع وأساليب القتال.
قد يقال إن هذا مجرد تكتيك عسكري أو وسيلة أقل كلفة وأكثر كفاءة. غير أن هذا التبرير نفسه يمكن أن يُقرأ بوصفه اعترافًا ضمنيًا بأن طبيعة الحرب قد تغيرت، وأن القوة العسكرية التقليدية لم تعد وحدها كافية لفرض الإرادة أو تحقيق الأهداف بالأساليب التي كانت واشنطن تتفاخر بها.
لقد ارتبطت العمليات الانتحارية والأسلحة أحادية الاستخدام، في الوعي العسكري والإعلامي، بالجماعات المسلحة أو بالقوى التي تواجه خصمًا يفوقها عسكريًا، فتبحث عن وسائل غير متماثلة لتعويض الفارق. أما اليوم، فإن لجوء قوة عظمى إلى هذا النوع من الوسائل يثير تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت الحرب قد فرضت عليها أدوات لم تكن تتصور أنها ستتبناها يومًا.
من هذا المنطلق، يرى بعض المحللين أن مجرد اضطرار الولايات المتحدة إلى تبني أساليب قتالية اشتهر بها خصومها، يمثل مؤشرًا على أن إيران نجحت في فرض معادلة جديدة في الصراع، معادلة تجعل حتى القوة الأعظم تعيد النظر في أدواتها وتكيّف استراتيجيتها مع واقع ميداني مختلف.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن ميزان القوة انقلب بالكامل، لكنه قد يعكس أن التفوق العسكري التقليدي لم يعد يمنح صاحبه القدرة على فرض شروطه بسهولة كما كان في السابق. وهذا بحد ذاته تحول استراتيجي يستحق التوقف عنده.
إن الدول العظمى لا تحب الاعتراف بأن خصومها فرضوا عليها تغييرًا في العقيدة القتالية، ولذلك غالبًا ما تُقدَّم هذه التحولات على أنها تحديث أو تطوير أو مجرد تكتيك جديد. إلا أن تغير الأدوات، في نظر كثير من المحللين، قد يكون انعكاسًا لتغير أعمق في طبيعة الصراع نفسه.
وهكذا، فإن السؤال لم يعد من يمتلك السلاح الأكثر تطورًا، بل من ينجح في فرض قواعد اللعبة على خصمه. وإذا كانت الولايات المتحدة، بكل ما تملكه من قدرات، تجد نفسها مضطرة إلى استخدام وسائل كانت تعدها يومًا سلاحًا للقوى الأضعف، فإن ذلك، وفق هذا الرأي، يعد إشارة إلى أن إيران استطاعت أن تفرض على خصمها القتال وفق معادلة مختلفة، حتى وإن استمرت واشنطن في نفي ذلك أو التقليل من دلالاته.