حمزة العطار
نقف في الطابور.
ننتظر ورقة لا تساوي ثمن الحبر المكتوبة به.
الموظف يرفع رأسه باحتقار ويقول: "تعال غداً".
وفي المساء يطل علينا المسؤول من شاشة فاخرة ليحدثنا عن "السيادة" و"الكرامة الوطنية".
عن أي سيادة يتحدثون؟
عن أي كرامة يتبجحون؟
ونحن نُسحل في أبسط حقوقنا اليومية، ثم يُطلب منا التصفيق.
منذ عقود ونحن نُلقّن درساً واحداً: "ضحّوا من أجل الوطن".
فضحّينا.
ضحّينا بالدم، وبالفقر، وبالمستقبل، وبآخر ذرة كرامة.
خضعنا للميليشيا، وخضعنا للزعيم، وخضعنا للأزمة، وخضعنا للجوع.
وكان الوعد دائماً: "بكرة أحسن".
ومرّ الغد، ومات الغد، ولم يأتِ شيء.
سوى المزيد من القسوة المُغلفة بشعارات.
خضوعٌ بالإلزام
إنه خضوع بلا مقابل.
ليس مقابل أمن.
ولا مقابل خبز.
ولا مقابل وطن.
إنه خضوع لأجل الخضوع.
خضوعٌ مفروض علينا بالترهيب، وبالإعلام، وبالتجويع.
خضوعٌ صار ديناً جديداً، من لا يؤمن به يُكفّر.
تفاوضٌ بالتجويع
ويخرجون علينا اليوم ليقولوا: "نحن نتفاوض من أجل مصلحة الوطن".
أي تفاوض هذا؟
تفاوضٌ نبدأه راكعين وننهيه مقيدين.
يتفاوضون على سيادتنا فنخسرها.
يتفاوضون على أرضنا فتُباع.
يتفاوضون على كرامتنا فتُداس.
ثم يعودون ليطالبونا بالشكر على "الحكمة".
هذا ليس تفاوضاً.
هذا توقيع على استسلام جماعي،
بأحبار دمائنا، وعلى جثث كرامتنا.
فشلٌ مُقدس اسمه: رئاسة وحكومة
أما عن رئاسة الجمهورية والحكومة، فهي قصة فشل لا تنتهي.
فشلٌ إداري تحوّل إلى جريمة بحق الوطن والمواطن.
في أمن الوطن: حدودٌ سائبة، وقرارٌ مرتهن، وسيادةٌ تُستأجر بالساعة.
وفي أمن المواطن: انهيارٌ شامل. لا كهرباء، لا دواء، لا أمن، لا عدالة.
دولة عاجزة حتى عن حماية رغيف الخبز،
لكنها قوية جداً في تكسير من يطالب به.
لا خطة، لا رؤية، لا مسؤولية.
هناك فقط هروب إلى الأمام، وتبرير للفشل،
وتحميل المواطن وزر عجزهم.
يسألوننا أن "نصبر" على جوعنا،
بينما هم يصادرون وطننا صفقةً تلو صفقة.
لقد حوّلوا المؤسسات إلى حظائر إذلال.
فالمطالب بحقه "مشاغب".
والسائل عن مصيره "عميل".
والصامت "مواطن صالح".
حوّلوا الذل إلى فضيلة،
والخنوع إلى وطنية،
والسؤال إلى خيانة.
إن أخطر أنواع العبودية هي التي تُمارس بلا سوط.
التي نُجلد فيها أنفسنا بأيدينا.
العبد الذي يُطعم قد يسكت.
أما نحن فنجوع، ونُذل، ونبرر لجلادينا.
حين تصبح الذلة هوية،
وحين تصبح الكرامة تهمة،
وحين يصبح الخضوع عقيدة دولة،
فاعلم أن هذا لم يعد وطناً.
إنه سجن كبير، حراسه منا، وسجانوه يتفاوضون على بيع جدرانه.
خاتمة: أسئلة بلا إجابات... ووعيدٌ لا مفر منه
إلى رئاسة الجمهورية والحكومة نسأل:
بأي حق تطلبون منا خضوعاً لا يعطينا أمناً؟
بأي منطق تتفاوضون باسمنا وتعودون إلينا خاليي الوفاض؟
أين هي السيادة التي تتحدثون عنها ونحن لا نملك قرار رغيفنا؟
متى كان الفشل إنجازاً، والعجز حكمة، والذل وطنية؟
ومن سيحاسبكم حين يصبح الوطن ذكرى في كتب التاريخ؟
لا نريد إجابات.
لأننا نعرفها سلفاً: مزيد من الصبر، مزيد من التضحية، مزيد من الخضوع.
ولكن اعلموا...
أن لحظة الحساب تقترب.
وسيحاسبكم الجميع. الشعب، والتاريخ، والأجيال القادمة.
على كل ما اقترفتموه بحق هذا الوطن.
وسيذكركم التاريخ دوماً...
وسينبذكم إلى مزبلته.