جنبلاط يقرأ المشهد من شواطئ صيدا إلى أعماق الجنوب السوري، بكثير من التوجّس والقلق من تداعيات الهيمنة الإسرائيلية على الجنوبيْن اللبناني والسوري، والمخطّطات الإسرائيلية القديمة الجديدة لتشكيل «حزام درزي»، والدور الذي بات يتمتّع به شيخ عقل الدروز في فلسطين المحتلة موفق طريف، مُحاطاً بمجموعة من الشخصيات السياسية والضباط الدروز في جيش الاحتلال، وجنوح شيخ عقل الدروز في سوريا حكمت الهجري نحو مطالبة إسرائيل بضمّ السويداء.
وإذا كان جنبلاط أول من سارع من اللبنانيين لزيارة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع بعد أيام على سيطرته على الحكم في دمشق، مدفوعاً برغبة الانتقام من النظام السوري السابق والتحالف مع السلطة الجديدة، فهو كان مهتماً من جهة ثانية باستباق سيطرة إسرائيل على السويداء بعد سقوط النظام، لكنه بات اليوم يواجه خطر التمدّد الإسرائيلي في لبنان، مع سيطرة الاحتلال على جبل الشيخ وأجزاء من الجنوب اللبناني، والهيمنة السياسية التي منحها اتفاق الإطار للاحتلال، وتزايد النفوذ الإسرائيلي في أوساط الدروز، ولا سيّما بعد الأجواء المُحتقنة شعبياً على أثر المجازر التي ارتكبتها المجموعات المسلحة العاملة تحت سلطة الشرع في السويداء وصحنايا وجرمانا.
يواجه جنبلاط تحدّيات كثيرة، أبرزها تعاظم النفود الإسرائيلي بين الدروز في لبنان كما في سوريا بواسطة مشايخ وضباط من دروز فلسطين
وبينما يسعى جنبلاط إلى توسيع دائرة الاعتراض الدرزي على التمدّد الإسرائيلي، جاء اتفاق الإطار ليزيد من هذا التمدّد في لبنان، مع استمرار الأزمة في السويداء، وسط تخلٍّ عربي عن لعب دور «إنقاذي» والاكتفاء بترك الأمور على هواها، بين تعنّت الشرع والهجري في سوريا وعجز السلطة السورية عن محاسبة المجرمين وترك الدروز فريسة لإسرائيل، والانقسام الحادّ في الداخل اللبناني حول الاتفاق ومجمل العناوين الأساسية الأخرى.
وبمعزلٍ عن صوابية رهانات جنبلاط على سلطة دمشق من عدمها، وهو بالمناسبة يحمّلها مسؤولية المجازر، لكنه على قناعة بأن الهجري كان ينسّق خطواته قبل المجازر مع إسرائيل، وأن الكثير من الأحداث الأمنية والسياسية قام بها أفراد يرتبطون بإسرائيل لجرّ سلطة الشرع إلى المقتلة، ومع ذلك فإن جنبلاط يعمل انطلاقاً من خشيته من نجاح حملة الشيطنة الإعلامية ضد الدروز في أوساط العرب والمسلمين، خصوصاً، مع تركّز الدعاية في الإعلام العربي ووسائل التواصل الاجتماعي أخيراً على تصوير الدروز كعملاء للاحتلال، مع ما يجلبه ذلك من خطر وجودي على جماعة قليلة العدد، وسط الجنون الطائفي في الإقليم، (في الوقت نفسه تتعامى تلك الوسائل الإعلامية عن حقيقة دخول معظم الدول العربية والإسلامية في علاقات واتصالات مع الإسرائيليين، وحقيقة أعداد المسلمين من أصول فلسطينية في جيش الاحتلال).
ينطلق جنبلاط من أن الدروز مهما كانت الأسباب، عليهم أن لا يقعوا في الفخّ الإسرائيلي، وأن «موقفهم في لبنان وسوريا وفلسطين يجب أن يظلّ تحت سقف الإجماع الإسلامي، حمايةً للطائفة والتزاماً بارتباطها العربي» عبر التمسّك برفض الاحتلال الإسرائيلي ورفض منطق الدويلات الذي تتاجر به إسرائيل.
من هنا، يمكن فهم الاصطفاف الحادّ الذي بات يعبّر جنبلاط عنه في رفض اتفاق الإطار وتقديم مخرج سياسي بالعودة إلى اتفاق الهدنة الموقّع مع إسرائيل في عام 1949 تجنّباً لرفض التفاوض المباشر بالكامل، خصوصاً بعد أن حلّ الدور التركي بديلاً عن الدور العربي، الذي تعبّر عنه حالياً المملكة العربية السعودية، كعنصر أساسي في لعبة التوازنات اللبنانية، وهي الاستراتيجية التي ينسّق فيها مع بري، ليس بوصفه الحليف التاريخي له، بل حتى انطلاقاً مما يمثّله بري على صعيد التركيبة السياسية والطائفية في لبنان، خاصةً أن جنبلاط ليس على تواصل فعلي مع حزب الله في هذه المرحلة، فيما يسيطر التوتر على علاقاته مع بقية القوى السياسية، ولا سيما تلك المؤيّدة لاتفاق الإطار.

