الاخبار:: علي حيدر الثلاثاء 14 تموز 2026
لم يكن الدور الإيراني في دعم المقاومة في لبنان وليد الأسابيع أو الأشهر الأخيرة، بل هو امتداد لمسار بدأ منذ عام 1982. فمنذ الاجتياح الإسرائيلي للبنان، انخرطت إيران في بناء ودعم مقاومة قادرة على مواجهة الاحتلال واستنزافه، واستمرّ هذا الدعم بأشكال مختلفة تبعاً لتطوّر التحدّيات، من مرحلة التحرير، إلى تثبيت معادلة الردع، وصولاً إلى المرحلة الحالية التي شهدت تحوّلاً نوعياً تمثّل في انتقال إيران من موقع الداعم إلى موقع المنخرط مباشرة في منع استفراد المقاومة ولبنان.
في المرحلة الأولى، انصبّ الدعم على تمكين المقاومة من الصمود واستنزاف الاحتلال وصولاً إلى تحرير الأرض. وبعد التحرير، أصبحت الأولوية ترسيخ معادلة ردع تحول دون إعادة الاحتلال أو فرض الوقائع بالقوة العسكرية. وخلال تلك المراحل، اقتصر الدور الإيراني، على أهميته، على توفير عناصر القوة للمقاومة، من تمويل وتسليح وتدريب وخبرات، فيما بقيت المواجهة المباشرة محصورة بالساحة اللبنانية، رغم الأثمان السياسية والاقتصادية التي دفعتها طهران نتيجة تمسّكها بدعم المقاومة ورفضها المساومة عليها.
إلا أن تطورات ما بعد حرب 2024 دفعت الأمور إلى مستوى مختلف. فالمشروع الإسرائيلي، بدعم أميركي ومستفيداً من التحوّلات الإقليمية، لم يعد يقتصر على مواجهة المقاومة، بل بات يستهدف شطبها وبيئتها من المعادلة اللبنانية، وإعادة تشكيل لبنان سياسياً وأمنياً. وقد راهن هذا المشروع على أن الضربات التي تعرّضت لها المقاومة، والمتغيّرات في الساحة السورية، والانقسام اللبناني التقليدي حيال المقاومة، وفّرت للمرة الأولى فرصة لمحاولة استفرادها، ودفع الدولة والمجتمع إلى التعامل معها بوصفها عبئاً ينبغي التخلّص منه.
غير أن هذا التقدير اصطدم بحقائق صلبة. الأولى أن المقاومة، رغم الخسائر الكبيرة، لم تنهَر، وأن بيئتها الشعبية بقيت متماسكة، بما بدّد رهانات خصومها في الداخل والخارج. أمّا الحقيقة الثانية، والأكثر تأثيراً، فتمثّلت في أن إيران لم تكتف هذه المرة بمواصلة الدعم التقليدي، بل دخلت مباشرة على خط الدفاع عن المقاومة ولبنان، في تحوّل استراتيجي أربك الحسابات التي بُني عليها مشروع الاستفراد.
ولم يكن هذا التحوّل مجرد تصعيد عسكري، بل عكس تبدّلاً في المقاربة الإيرانية. فمن منظور طهران، لم تعد المواجهة تقتصر على حماية حليف إقليمي، بل أصبحت معركة وجودية ترتبط بتوازنات إقليمية تمسّ أمنها الاستراتيجي. فإخراج المقاومة من معادلة القوة لم يكن يعني خسارة حليف فحسب، بل فتح الباب أمام إعادة صياغة التوازنات في لبنان والمنطقة بما يكرّس الاحتلال ويعزّز الهيمنة الإسرائيلية، ويطلق سلسلة من التداعيات على امتداد الإقليم.
من منظور طهران، تحوّلت المواجهة إلى معركة وجودية ترتبط بتوازنات إقليمية تمسّ أمنها الاستراتيجي
وتُرجم هذا التحوّل في خطوات مترابطة. فالردود الصاروخية على العمق الإسرائيلي حملت رسالة واضحة بأن الحرب على لبنان لن تبقى محصورة داخل حدوده، وأن استهداف المقاومة وبيئتها سيقابله توسيع لدائرة التهديد لتشمل الداخل الإسرائيلي. وفي الوقت نفسه، أدّى التصعيد في مضيق هرمز إلى نقل الأزمة من مواجهة محلية إلى أزمة تمسّ الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة، فارضاً على الولايات المتحدة والقوى الغربية التعامل معها باعتبارها أزمة تتجاوز الساحة اللبنانية وحدها.
ولم تقتصر نتائج هذا التحوّل على البعد العسكري. فمع ارتفاع الكلفة الأمنية والاقتصادية، برزت ضغوط سياسية دفعت نحو وقف الهجمات والانتقال إلى مسار تفاوضي جديد. ولم يعد وقف العمليات العسكرية مرتبطاً بالوضع الميداني وحده، بل أصبح جزءاً من معادلة أوسع ربطت استمرار التهدئة بسيادة لبنان وسلامة أراضيه، وجعلت تثبيت هذين المبدأين بنداً أساسياً في مذكّرة التفاهم الأميركية - الإيرانية، وشرطاً مُمهِّداً لأي اتفاق نووي.
كذلك، فإن صمود إيران في مواجهة الضغوط العسكرية والعقوبات أبقاها لاعباً إقليمياً قادراً على التأثير في موازين القوى. فلو خرجت من المواجهة ضعيفة، لفقدت المقاومة عمقها الاستراتيجي، ولازدادت قدرة إسرائيل على استكمال مشروعها في لبنان. أمّا احتفاظ طهران بقدرتها على تهديد الأمن القومي الإسرائيلي، فقد أعاد خلط الأوراق، وأسقط الرهان على أن التحوّلات الإقليمية كفيلة بإنهاء المقاومة.
ومن هنا تبرز أهمية الانتقال من مرحلة الدعم إلى مرحلة الدفاع المباشر الذي أبعد شبح الخطر الوجودي، وأسّس لميزان قوى إقليمي حال دون فرض مشروع «الشرق الأوسط الإسرائيلي»، ومنع إسرائيل من تحويل تفوّقها العسكري إلى انتصار سياسي واستراتيجي يفرض واقعاً جديداً على لبنان والمنطقة.
ولا يعني ذلك أن الصراع انتهى أو أن التحدّيات زالت. فالمواجهة كشفت حجم التحوّلات التي أصابت البيئة الإقليمية، وأكّدت أن معادلات الردع السابقة تحتاج إلى مراجعة وتطوير. كما أن مشروع استهداف المقاومة لم يسقط، وإن تلقّى انتكاسة حالت دون تحوّله إلى حسم استراتيجي.
في المحصّلة، لم يكن التطوّر الأبرز في المواجهة الأخيرة حجم القوة المُستخدمة، بل طبيعة الدور الإيراني نفسه. فبعد أكثر من أربعة عقود ارتكز فيها هذا الدور على بناء القدرات وتعزيز الردع ودعم المقاومة، انتقلت طهران إلى الدفاع المباشر عنها عندما رأت أن المواجهة تستهدف إنهاء دورها ودور المقاومة معاً. وبهذا المعنى، لم يُسهِم هذا التحوّل في وقف الهجمات وتعديل مسار الحرب فحسب، بل أحبط أيضاً مشروع الاستفراد بالمقاومة ولبنان، ومنع فرض واقع سياسي وأمني تصوغه إسرائيل وفق مصالحها، وإن بقيت المواجهة مفتوحة ضمن قواعد مختلفة عن تلك التي راهن عليها الاحتلال والمتربّصون في الداخل والخارج.

