الاخبار: سعيد محمد
تتبدى التجربة الأميركية، بعد مرور ربع ألفية، بوصفها بنية تاريخية مركَّبة، تتجاوز خطيّة الزمن المألوفة لتكشف عن مأزق وجودي يتجذّر في صيرورة الانتقال من أطروحة الجمهورية الوليدة القائمة على التمرد على المركز الإمبراطوري البريطاني، إلى تموضع إمبراطوري أكثر عتواً يمتلك أدوات الهيمنة الشاملة: أساطيل حربية، وقواعد عسكرية ممتدة، وعملة مهيمنة، وشركات احتكارية عابرة للقارات، تصوغ شروط الوعي العالمي، وتملي لغتها الخاصة على المجتمعات التابعة.
يستوجب تفكيك هذه الصيرورة النفاذ بالرؤية النقدية إلى ما وراء الخطاب الاحتفالي الرسمي، لمساءلة لحظة التأسيس الأولى، التي رسمت كفعل سياسي واقتصادي قادته نخبة برجوازية وفكرية، نجحت في تجييش طاقات البحارة، والحرفيين، والمهاجرين المسحوقين الفارين من شروط العيش الطاحنة في القارة العجوز، لتؤسس كياناً دولتيّاً يتغذى على امتصاص فائض القيمة البشري والمادي داخل أميركا نفسها، وفي أعالي البحار.
المنظور النقدي الذي تقدمه بعض القراءات الأحدث لتجربة الثورة الأميركية مثل كتاب توم كترهام الجديد «الإمبراطورية تحترق» (2026)، يعيد ربط حدث التأسيس بسياق الصراع الطبقي الأوسع، مخرِجاً السردية التاريخية من الأسطورة الرومانسية المتمحورة حول «الآباء المؤسسين» وحدهم، ليدمج في صلب الحدث شخصيات هامشية كجيمس أيتكن، ذلك العامل الجوال والهارب من عقود السخرة، الذي جسّد بفعله التدميري — إشعال أحواض السفن والمرافئ البريطانية — وعياً طبقياً مبكراً بآليات السيطرة الإمبراطورية. يتجاوز هذا الحريق المادي أثره المباشر، ليتخذ دلالة معرفية تفضح النظام الإمبراطوري كشبكة معقدة من العمل القسري، والانضباط الصارم، وتراكم الديون، والعقوبات الزجرية الرادعة. وهكذا نضع اليد على حقيقة أساس: خلخلة البنى السياسية الكبرى للإمبراطورية تستلزم بالضرورة استهداف مفاصلها الاقتصادية واللوجستية الأكثر حيوية، لا قواعدها العسكرية، وضباط استخباراتها فحسب.
إن المفارقة الأخلاقية الكبرى للجمهورية الأميركية تتجلى في ذلك الانفصام البنيوي الحاد بين لغة الوثائق التأسيسية التي بشرت بحقوق كونية مجردة، وبين التموضع العيني لنظام اجتماعي واقتصادي أقصى المستعبَدين والسكان الأصليين والنساء والفئات العمالية الفقيرة من دائرة الامتلاك الفعلي لتلك الحقوق المزعومة. ويظل هذا التوتر التأسيسي سمة بنيوية تلازم المسيرة الأميركية، حيث اصطدمت مثاليات التنوير الأوروبي بمحددات الملكية الخاصة والمصالح الطبقية الضيقة للنخبة الحاكمة. لقد ارتكز النهوض المعماري والاقتصادي الهائل تاريخياً إلى استغلال منهجي لطاقات بشرية جرى تغييبها عن المشهد السياسي والتشريعي، ليكون رخاء الإمبراطورية نتاج مفارقة إنتاج الحرية الخطابية بالتزامن مع ممارسة العبودية، والإقصاء الفعلي، والغزو.
على مدى قرنين ونصف، تطورت هذه التجربة الإمبراطورية عبر مأسسة هذا التوتر وتوظيفه كآلية لتجديد السيطرة. لقد ابتكرت النخبة الأميركية أدوات دستورية وقانونية بالغة المرونة، قادرة على امتصاص الحركات الاحتجاجية وإعادة دمجها في بنية النظام، بالتزامن مع توسع قاري عنيف قضى على وجود أهل البلاد الأصليين، وأسس لمنظومة تفرقة عرقية طال أمدها. وامتدت هذه الدينامية المزدوجة خارج الإقليم، عبر تدخلات عسكرية واقتصادية إجرامية متلاحقة في أمريكا اللاتينية، وآسيا، والشرق الأوسط. وهكذا اشتغلت الدولة كآلة لإنتاج المعرفة، والآداب، والفلسفات النقدية الرفيعة، وفي الوقت نفسه كمركز لإنتاج وتصدير آليات الهيمنة التقنية والعسكرية المعولمة، التي تحول شعارات التحرر إلى أدوات تسويغية لخدمة النفوذ الرأسمالي العابر للحدود.
لعل أحد مكامن القوة لهذه المنظومة قدرتها الاستثنائية على توليد نقدها الجذري من داخل نسيجها الفكري والاجتماعي ذاته، واستيعابه. فالتاريخ الأميركي، بقدر ما تمثّلَ نزعةً توسعية عابرة للحدود، حمل في داخله خطاً نقدياً صلباً يمتد من تأملات هنري ديفيد ثورو في العصيان والضمير الفردي، إلى تحليلات دو بويز في الوعي المزدوج، وجيمس بالدوين في العرق والخطيئة الوطنية، وأنجيلا ديفيس في السجن والطبقة والجندر، ومايكل بارينتي في تفكيك البنية الإمبراطورية للرأسمالية الأميركية. وإلى جانب هذه الأسماء، كانت هناك سلاسل طويلة من النضال العمّالي، والحركات المناهضة للحروب، والانتفاضات المدنية التي جعلت التاريخ الأميركي أشبه بمحكمة علنية مفتوحة، يقف فيها وعد التأسيس وجهاً لوجه أمام ضحاياه.
أميركا اليوم، بعد 250 عاماً من الاستقلال، وريثة حريقين عظيمين: حريق ثوري قديم أشعل المخيلة السياسية في زمن الحداثة، وحريق إمبراطوري راهن يلتهم المثاليات التي رفعتها إلى مقام العقيدة. بينهما تقف الطبقات المسحوقة داخل أميركا، وشعوب الجنوب العالمي خارجها، كشهود على أن الحرية حين يوظفها جهاز الهيمنة تفقد جوهرها الأخلاقي، ولا تستعيد معناها الأول إلا على يد المستضعفين وعداً مفتوحاً بعدالة لم تكتمل بعد، وأفقاً إنسانياً لا تمنحه الإمبراطوريات، بل تصنعه الشعوب التي تقاوم مضطهديها.

