الاخبار: راجانا حمية السبت 11 تموز 2026
«بعدنا ناطرين». عبارة مُثقلة بالفقد تردّدها شادية جهير، والدة الأسير محمد علي جهير، مع عشرات العائلات التي لا تعرف مصير أبنائها الذين خطفتهم قوات الاحتلال الإسرائيلي في الحربين الماضيتين، وما تلاهما من وقف مُفترض لإطلاق النار.
هل هم على قيد الحياة؟ أم استشهدوا تحت التعذيب؟ أم أُخفوا؟ أسئلة تعصف في رأس شادية، التي اختُطف ابنها الأب لثلاثة أطفال، في 2 شباط 2025 (بعد وقف إطلاق النار)، وهو في عمله. كان على متن زورقه في البحر يبحث عن رزق أطفاله، حين باغته العدو وأخذه رهينة.
وطوال شهرين ونصف شهر من الاعتقال القسري، لم تكن شادية تعرف عن مصير ابنها شيئاً، وجلّ ما كانت تفكّر به الأم في أيام انتظارها المُثقلة بالحزن أن يكون العدو قد رمى ابنها في البحر. وفي تلك الفترة، لم تترك شادياً باباً قد يأتيها بخبر لم تطرقه، من دون إجابة، إلى أن جاء خبر الإفراج عن أربعة أسرى، فـ«لحقنا بهم إلى المستشفى وحصلنا على أرقام هواتفهم وتواصلنا معهم، وكان الخبر الوحيد الذي تلقّيته عن محمد من أحدهم، أن العدو نقله إلى زنزانته في سجن عوفر». وبعد أشهرٍ طويلة، تبلّغت شادية «من الجمعية اللبنانية للأسرى والمحرّرين بأن محمد نُقل إلى سجن الرملة». وغير ذلك، لم يصل أي خبر عن محمد ورفاقه، و«لم يتواصل معنا أحدٌ من الدولة، على الأقل لأخذ العلم والخبر». هكذا وجدَ أهالي الأسرى أنفسهم «بلا سند»، تقول شادية.
الدولة غير مُهتمة
فملف الأسرى غائبٌ تماماً عن بالِ السلطة. يظهر ذلك، مثلاً في «غياب البعثة اللبنانية بشكل كامل» عن الجلسات العادية لمجلس حقوق الإنسان، في جنيف، يقول رئيس «مركز الخيام لتأهيل ضحايا التعذيب»، محمد صفا. ويُحمِّل المسؤولية لـ«الوزير المستقيل من مهامه يوسف رجّي»، الذي عندما زار جنيف «لم يُكلِّف نفسه زيارة اللجنة الدولية للصليب الأحمر للتباحث في القضية، رغم وجود أسير قاصر من جهة وصدور أحكام بحق ستة أسرى آخرين، بما يخالف كل القوانين الدولية». يذكر، في هذا الصدد، أن نائب رئيس الحكومة، طارق متري، حضر جلساتٍ لمجلس حقوق الإنسان. غير أن الخطابات وحدها لا تكفي.
فالسلطة، منذ عام 2024، راكمت ما يكفي من مواقف. لكنها انتقلت عملياً، على ما يقول صفا، من النأي بالنفس إلى التواطؤ «بصمتها، الذي يشجّع الإسرائيلي على الاختطاف»، وصولاً إلى «التخلّي عن الأسرى»، برهنها في اتفاق الإطار مصير الأسرى وعائلاتهم بمصير رفات الطيار الإسرائيلي رون آراد المفقود منذ أربعة عقود.
و«رهن حياة الأحياء مقابل الرفات» سابقة خطيرة، وفقاً لعضو الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، بسام القنطار. وهو ما عبّرت عنه الهيئة، في بيان، رفضت فيه المقايضة أو الربط «بين الإفراج عن اللبنانيين الأحياء المحتجزين والمخفيين قسراً، والبحث عن رفات جنود إسرائيليين»، بما يتعارض مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، الذي يميّز بوضوح بين الالتزامات المتعلقة بحماية الأحياء وتلك المتعلقة باحترام الموتى والمفقودين، ويمنع تحويل الحقوق الإنسانية إلى أدوات تفاوض أو مساومة سياسية.
وعليه، لم تعد المنظمات وحتى الأحزاب وعائلات الأسرى تستغرب انكفاء السلطة. فالحكومة اللبنانية لم تقم بأي خطوة أو مبادرة حتى الآن لـ«المطالبة بالكشف عن مصير هؤلاء، ولا على الأقل المطالبة بزيارة الصليب الأحمر الدولي لهم». فالخطورة في ملف الأسرى لا تكمن فقط في عدم علم الطرف اللبناني بعدد المُختطفين، وإنما أيضاً «في ما يمارسه العدو من تعتيم كامل، فلا أحد يدري بظروف اعتقالهم ولا بما يتعرّضون له ولا بمكان وجودهم، إذ يُمنع الصليب الأحمر الدولي من زيارتهم أو تحصيل معلومات عنهم»، يقول صفا. وجلّ ما يصل من أخبار عن هؤلاء «هو ما يتسرّب فقط من المعتقلين الفلسطينيين الذين يتعرفون في سجونهم إلى أسرى لبنانيين».
غير أن هذه التسريبات لم تشمل جميع الأسرى اللبنانيين. فوفقاً لرئيس «الجمعية اللبنانية للأسرى والمحرّرين»، أحمد طالب، وصلت «حتى أواخر العام الماضي، معلومات من الأسرى الفلسطينيين عن كل الأسرى الذين اختُطفوا خلال حرب 2024، باستثناء الأسير الجريح حسين كركي الذي يبقى مصيره الأكثر غموضاً، إذ لا معلومات عنه نهائياً». وفي الشهر الماضي، وصلت «معلومات تطمين عن حال أربعة أسرى لبنانيين». لكنّ هذه المعلومات تخصُّ من اختُطفوا في الحرب السابقة. أما الثمانية الذين اختُطفوا بعد 2 آذار الماضي، فـ«حتى اللحظة لم تردنا معلومات، بأن أحداً قد شاهدهم»، يوضح طالب.
الجرح المفتوح
في المقابل، تقف السلطة متفرجةً على وجع هؤلاء. ورغم حثّها من قبل المنظمات والجمعيات التي تتابع ملفهم، ومنها «الجمعية اللبنانية للأسرى والمحررين» و«مركز الخيام لتأهيل ضحايا التعذيب»، على القيام بواجبها، إلّا أنها اختارت ألّا تفعل شيئاً، ولو لحفظ ماء وجهها. فبعد آخر زيارتين، وهما الوحيدتان، اللتان قامت بهما الجمعية إلى رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، لم تحرّك السلطة ساكناً، رغم تقديم مُقترح إليه لـ«مأسسة الملف، باعتباره قضية وطنية تخص مواطنين لبنانيين»، يقول طالب. وقد وصل الانحدار بهذه السلطة إلى التخلّي، «فلا أحد من أركانها رفع هاتفاً للتواصل مع عوائل الأسرى». وحتى في اجتماع القصر الجمهوري مع البعثات الدبلوماسية، لم يتمّ التطرق إلى ملفهم، قبل أن تأتي الترجمة الفعلية لهذا التخلي في اتفاق الإطار.
وكانت «الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان» قد قدّمت، في إطار حثّ الدولة على القيام بواجبها، مُقترح قرار من عشرة بنود، أهمها «المطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المعتقلين اللبنانيين المحتجزين تعسّفاً من قبل إسرائيل، وتأكيد أن احتجاز المدنيين كرهائن أو لأغراض المقايضة محظور بموجب القانون الدولي ويُشكّل انتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان، ومطالبة إسرائيل بالامتثال الكامل لالتزاماتها بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، بما في ذلك الامتناع عن نقل المعتقلين من لبنان إلى أراضيها، وضمان المعاملة الإنسانية وكل ضمانات المحاكمة العادلة لجميع المعتقلين، والسماح للجنة الدولية للصليب الأحمر بالوصول الفوري والمنتظم ومن دون عوائق إلى جميع المعتقلين اللبنانيين، والسماح لآليات حقوق الإنسان والآليات الإنسانية الأخرى ذات الصلة بالتحقّق من ظروف احتجازهم». هذا المُقترح رفعته الهيئة إلى مجلس الوزراء «بهدف اعتماده كمبادرة رسمية للدولة اللبنانية، وتكليف وزارة الخارجية والمغتربين بقيادة الجهود الدبلوماسية اللازمة لحشد الدعم الدولي لاعتماده خلال إحدى دورات مجلس حقوق الإنسان».
غير أن الدولة لم تأخذ بالقرار، إذ إنه في الأحوال الطبيعية «يُفترض أن تطلب الدولة اللبنانية إدراج القرار على جدول أعمال المجلس للتصويت عليه، لكن لم تطلب ذلك، وجلسات مجلس حقوق الإنسان شارفت على الانتهاء»، يقول القنطار، مع إشارته إلى أنه كان «من السهل التصويت عليه، في ظل وجود تجارب سابقة لقرارات كهذه».
بالتوازي، تعمل الهيئة على مخطّطين بديلين، الأول الضغط لتنفيذ قرار المحكمة العليا الإسرائيلية والذي قضى بحظر قرار إلغاء زيارات الصليب الأحمر الدولي للأسرى الفلسطينيين، و«تضمين القرار الأسرى اللبنانيين». أمّا آخر البدائل، فهو النقاش المطروح حالياً بين الهيئة والجمعية والمنظمات الإنسانية لتفويض «الهيئة بوكالة قانونية تجيز لمنظمات ومحامين فلسطينيين الدفاع عن الأسرى اللبنانيين في المحاكم الإسرائيلية».
تضارب في أعداد الأسرى
لا يوجد رقم دقيق لعدد الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية، مع تأرجح التقديرات بين 32 و38 أسيراً، واحتمال وجود أسرى أحياء آخرين محسوبين ضمن مفقودي الأثر. رئيس «الجمعية اللبنانية للأسرى والمحررين»، أحمد طالب، يميل إلى الرقم الأول. ويقسّمهم على الشكل الآتي: في حرب 2024 وبعدها، تمّ «اختطاف تسعة مقاومين و11 مدنياً»، يُضاف إليهم «الأسير أحمد شكر استناداً إلى شهادة عائلته، وثلاثة أسرى من سنوات سابقة، هم الصياد محمد فران (2005) وعبدالله عليّان (1981) ويحيى سكاف (1978)». وفي حرب 2026، اختطف العدو ثلاثة مقاومين وخمسة مدنيين، ثلاثة منهم في 19 أيار الماضي، خلال فترة وقف إطلاق النار.

