الاخبار: يحيى دبوق الجمعة 10 تموز 2026
مع تجدُّد التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، تتّضح، أكثر فأكثر، ملامح مرحلة ما بعد الحرب الشاملة، التي لا يبدو أنها ستنتهي قبل الاستقرار على تفاهم جديد، أو حتى على تفسيرٍ مشترك للتفاهم القديم، الذي وُجد أساساً لتثبيت وقف إطلاق النار والانتقال إلى بحث الخلافات الجوهرية، لكن كلّ طرفٍ فسّره بما يخدم مصالحه. ويبدو أن العنوان الأبرز لهذه المرحلة، سيكون أمن الملاحة في مضيق هرمز، من دون أن يعني ذلك تخلّي واشنطن عن أهدافها الأخرى - وفي مقدّمتها تفكيك البرنامج النووي الإيراني وتقويض القدرات العسكرية الإيرانية -، ولا ترك طهران ما تراه حقاً لها، سواء في المضيق، أو لناحية امتلاك القدرات العسكرية إنتاجاً وتطويراً وحيازةً، أو في الملف النووي. لكنّ المفارقة هنا، أن الهدف الأميركي - الإسرائيلي الذي تَمثّل ابتداءً بإضعاف النظام إلى أقصى حدّ، وصولاً إلى إسقاطه، تحوَّل، مع تطوّر الأحداث، أقلّه من جانب الولايات المتحدة، إلى كيفية فرض قواعد المرور في مضيق هرمز.
في هذا الإطار، وعلى الرغم من أن مذكّرة التفاهم المُبرمة الشهر الماضي دعت إلى إنهاء القتال وإعادة فتح المضيق أمام الملاحة، إلّا أن اختلاف تفسيرها بين الجانبَين سرعان ما أدّى إلى عودة تبادل الاتهامات بشأن تنفيذ كلّ منهما لالتزاماته، لتتجدّد، عقب ذلك، الهجمات البحرية والردود العسكرية. وهكذا، لم تعُد الحرب تدور حول تدمير القدرات العسكرية فقط، بل أيضاً حول من يحدّد قواعد الأمن البحري في الخليج، وهو تحوّل بدأت ملامحه تفرض نفسها على الحسابات العسكرية والسياسية للطرفين. وفي حين يبدو واضحاً أن الولايات المتحدة، على الرغم من امتلاكها تفوّقاً عسكرياً، تجد نفسها مضطرةً إلى تخصيص جانبٍ متزايدٍ من قدراتها وجهودها لحماية خطوط الملاحة وردع الهجمات على السفن، حوّلت إيران المضيق إلى ورقةٍ تفاوضية تمنحها نفوذاً في أي تسويةٍ مقبلة.
الطرفان، رغم التصعيد، ما زالا يفضّلان إدارة الصراع
لكن، هل يعني ذلك أن الكفّة تميل إلى إيران؟ من الصعب الحديث عن انتصار إيراني في ظلّ الخسائر العسكرية والسياسية والاقتصادية التي تكبّدتها طهران، في حين يصعب، في المقابل، تجاهل نجاحها في فرض كلفة متزايدة على خصومها، وخروجها من حرب مدمّرة أكثر تماسكاً وقدرةً ونفوذاً. كما أن إحدى أبرز نقاط قوتها تتمثّل في أن كلّ تصعيد في المضيق ينعكس سريعاً على أسواق الطاقة، ويضع الولايات المتحدة أمام معضلة الموازنة بين الردّ العسكري ومنع اضطراب الاقتصاد العالمي، وهو ما كان أحد الدوافع الأساسية وراء السعي الأميركي إلى إبرام مذكّرة التفاهم أصلاً. ومن شأن ذلك أن يمنح طهران هامشاً تفاوضياً يتجاوز حجم قدراتها العسكرية المباشرة، التي ثبت أنها قابلةٌ للاستخدام في ردودٍ عسكرية مفتوحة الآفاق والآجال. أمّا الولايات المتحدة، فعلى الرغم من الضربات الواسعة التي شنّتها على أهدافٍ عسكريةٍ إيرانية ردّاً على الهجمات البحرية، فإن خطابها السياسي يكشف عن معضلةٍ واضحة؛ إذ أعلن ترامب انتهاء مذكّرة التفاهم، من دون أن يغلق باب التفاوض، وهو ما يعكس إدراكاً لكون جميع البدائل المطروحة مُكلِفة؛ فالتصعيد قد يوسّع رقعة الحرب ويرفع أسعار الطاقة، بينما قد يُفسَّر التراجع على أنه ضعفٌ في الردع، وهو ما يختصر أزمة أميركية مُركّبة.
هكذا، تسعى إيران إلى تقديم نفسها، داخلياً وخارجياً، بوصفها الطرف القادر على فرض وقائع جديدة في المضيق، مستندةً إلى خطابٍ يربط أمن الملاحة بترتيبات سياسية جديدة، في حين تصرّ الولايات المتحدة وشركاؤها على أن حرية العبور مبدأٌ غير قابلٍ للمساومة. وما بين الطرفَين، يبدو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب ليس حرباً شاملةً ولا تسويةً نهائيةً، بل استمرار حالةٍ من «الحرب واللاحرب»، تتخلّلها ضرباتٌ متبادلة، وضغوطٌ اقتصادية، ورسائل ردع، بالتوازي مع محاولات متقطّعة لإحياء المسار التفاوضي. والراجح أيضاً، أن الطرفَين، رغم التصعيد الحاصل بينهما، ما زالا يفضّلان إدارة الصراع على الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة يصعب التحكّم في نتائجها. وأياً كان ما ستؤول إليه الأمور، فالأكيد أن من ينجح في فرض قواعد الملاحة في «هرمز»، قد يكون الأقدر أيضاً على رسم ملامح التوازن الإقليمي في مرحلة ما بعد الحرب.