الاخبار: علي حيدر الأربعاء 8 تموز 2026
يحمل التشييع المليوني للمرشد الإيراني الراحل، آية الله علي خامنئي، دلالات سياسية كثيفة، على رأسها أن الحملة الأميركية - الإسرائيلية فشلت، على الرغم ممّا أحدثته من خسائر وأعباء، في تحقيق أحد أهمّ أهدافها السياسية، والمتمثّل بإضعاف التماسك الداخلي أو إحداث شرخ بين الدولة ومجتمعها أو إضعاف قدرتها على الصمود. لا بل إن الالتفاف الشعبي حول النظام، مثلما ظهّرته مراسم التشييع، من شأنه جعل القيادة الإيرانية أكثر ثقة وجرأة، سواء في إدارة العمليات العسكرية أو في المفاوضات، في وقت كان فيه الرهان معقوداً على أن الحرب ستستنزف ثقة القيادات السياسية بقدرة مجتمعاتها على تحمّل الكلفة. كذلك، من شأن هذا الحشد البشري أن يدحض فرضية أخرى مرتبطة بقدرة الضغوط الاقتصادية على فرض تغيير في السلوك السياسي للدولة؛ فالتاريخ يبيّن أن العقوبات لا تحقّق أهدافها إلّا إذا ترافقت مع انهيار في التماسك الداخلي أو فقدان الثقة بالقيادة، أمّا عندما يبقى المجتمع متماسكاً، فإن الكلفة الاقتصادية قد تتحوّل إلى عنصر يعزّز خطاب الصمود بدلاً من أن يقوّضه، ويمنح القيادة شرعية إضافية للمضيّ في نهجها.
هكذا، يبدو أن هامشاً أوسع ينفتح أمام القيادة الإيرانية لإدارة المرحلة المقبلة بارتياح أكبر؛ فالقيادة التي تستند إلى قناعة بأن جبهتها الداخلية لا تزال متماسكة، تصبح أقلّ ميلاً إلى تقديم تنازلات استباقية، وأكثر استعداداً لإدارة صراع طويل الأمد، إذا ما رأت أن عامل الزمن قد يعمل تدريجياً لمصلحتها. وعندئذ، لا يعود الوقت عنصر ضغط عليها وحدها، بل قد يتحوّل إلى عنصر ضغط على خصومها أيضاً، ولا سيما في حال تَرافق مع استمرار هشاشة أسواق الطاقة، وتزايد احتمالات اتّساع التوتر الإقليمي. ومن شأن ذلك أن ينعكس، بطبيعة الحال، على أيّ مفاوضات مقبلة؛ إذ كلّما ازدادت ثقة أحد الأطراف بقدرته على الاحتمال والاستمرار، ارتفع سقف مطالبه، وتراجعت رغبته في القبول بتسويات لا تحقّق مصالحه الأساسية.
يبدو أن هامشاً أوسع ينفتح أمام القيادة الإيرانية لإدارة المرحلة المقبلة بارتياح أكبر
في المقابل، سيفرض هذا التحوّل على الولايات المتحدة وإسرائيل مراجعة حساباتهما، وهو ما يكتسب أهمية خاصة في الحالة الإسرائيلية، إذ إن العقيدة الأمنية للكيان لا تقوم على امتلاك التفوّق العسكري فحسب، وإنما على تحويله إلى نتائج سياسية واستراتيجية، وهو ما يُضعِف جدواه إذا ما أخفقت القوة العسكرية في تحقيق النتائج المطلوبة، بل واستجرّت كلفة عالية، كما في حالة الحرب على إيران. كذلك، ينعكس استمرار التماسك الداخلي الإيراني على معادلات الردع المتبادل؛ فالردع لا يقوم على القدرة على إيقاع الضرر بالخصم فقط، وإنما أيضاً على إقناعه - بنتيجة تضرّره - بتغيير سلوكه. أمّا إذا أثبتت التجربة أن المجتمع والدولة يظلّان قادرَين على تحمّل الكلفة والاستمرار في المواجهة، فإن فاعلية الردع تتراجع نسبياً، وهو ما يحصل في حالة إيران، وسيجعل خيارات إسرائيل المستقبلية أكثر تعقيداً.
لكن هل يدفع ذلك إسرائيل إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية، بحيث تنتقل من الرهان على إحداث تغيّرات داخلية في إيران إلى التركيز بصورة أكبر على احتواء قدراتها العسكرية ونفوذها الإقليمي، وإدارة مخاطر صراع طويل الأمد معها، تكون فيه معركة الاستنزاف السياسي والنفسي موازية للمواجهة العسكرية؟ أياً كان ما ستقوم به إسرائيل، فالأكيد أن التفوّق العسكري، على أهميته، لا يكفي وحده لحسم الحروب، خصوصاً إذا ما بقي الطرف المقابل محتفظاً بإرادته السياسية وبتماسكه الاجتماعي. فقد صمدت دول وحركات عديدة أمام خصوم تفوّقوا عليها عسكرياً، بعدما ظَلّ ميزان الإرادات يعمل لمصلحتها، وآمنت مجتمعاتها بأن الصراع يمسّ أمنها وهويتها ومستقبلها، ويستأهل بالتالي تقديم التضحيات.
وعلى هذا الأساس، فإن الأهمية الحقيقية لتشييع الشهيد خامنئي لا تكمن في حجمه الجماهيري وحده، وإنما في الرسالة السياسية والاستراتيجية التي يحملها بشأن طبيعة العلاقة بين القيادة والمجتمع في لحظة مفصلية من الصراع. فهذه العلاقة هي التي ستحدّد بدرجة كبيرة قدرة الدولة على تعبئة مواردها، والاستمرار في إدارة المواجهة، وتحمّل الضغوط، ورفض الإملاءات التي تراها متعارضة مع مصالحها.

