❗خاص ❗️sadawilaya❗
اليمن: أحلام الصوفي
هناك رجال يصنعهم المنصب، وهناك رجال تصنعهم المحن. وبين هذين النموذجين، تقف سيرة السيد علي الخامنئي باعتبارها واحدة من أكثر التجارب السياسية تعقيدًا في تاريخ إيران المعاصر. فمنذ أكثر من ستة عقود، لم يغب اسمه عن مشهد الصراع، ولم يكن شاهدًا على الأحداث فحسب، بل أحد صناعها والمؤثرين في مسارها.
بدأت الرحلة في زمنٍ كانت فيه إيران ترزح تحت حكم الشاه، حيث كان القمع السياسي يلاحق كل من يرفع صوتًا معارضًا. وفي تلك المرحلة، انخرط السيد علي الخامنئي في النشاط الإسلامي المناهض للنظام، مستلهمًا مشروع الإمام روح الله الخميني، ومؤمنًا بأن التغيير الحقيقي يبدأ من وعي الأمة وإرادتها، لا من تسويات تُفرض عليها.
ولأن طريق الثورات لا يُعبد بالورود، كان السجن أولى محطات تلك المسيرة. تنقل بين المعتقلات، وتعرض للاستجواب والتعذيب على يد جهاز السافاك، ثم أُبعد إلى مناطق نائية في محاولة لعزله عن الناس. لكن السلطة أخطأت التقدير؛ إذ تحولت سنوات النفي إلى فرصة لتوسيع دائرة التأثير، وترسيخ حضوره الفكري بين مختلف شرائح المجتمع الإيراني.
ومع تصاعد الثورة الإسلامية، برز السيد الخامنئي كأحد أبرز وجوهها السياسية والفكرية، حتى جاء انتصارها عام 1979، لتدخل إيران مرحلة جديدة من تاريخها، عنوانها الاستقلال وإعادة بناء الدولة على أسس مختلفة عن الحقبة السابقة.
غير أن الثورة لم تنهِ الصراع، بل فتحت أبوابًا أكثر تعقيدًا. فقد واجهت الجمهورية الوليدة حربًا خارجية، واضطرابات داخلية، وموجة اغتيالات استهدفت كبار قادتها. وكان السيد الخامنئي من بين من دفعوا الثمن، حين نجا عام 1981 من محاولة اغتيال كادت تودي بحياته، وأبقت آثارها الجسدية شاهدة على مرحلة كانت فيها القيادة تُدفع ثمنًا لمواقفها.
لم تمنعه الإصابة من مواصلة دوره، بل تولى رئاسة الجمهورية في واحدة من أصعب الفترات، فيما كانت الحرب العراقية الإيرانية تستنزف البلاد، والعقوبات والضغوط الدولية تتصاعد عامًا بعد آخر.
ثم جاءت اللحظة المفصلية عام 1989، برحيل الإمام الخميني، لينتقل السيد علي الخامنئي إلى موقع قيادة الجمهورية الإسلامية، حاملاً مسؤولية إدارة دولة تواجه تحديات داخلية وخارجية متشابكة، في عالم سريع التحول.
وعلى امتداد العقود التالية، أصبحت إيران لاعبًا رئيسيًا في معادلات المنطقة، وتوسعت أدوارها السياسية والعسكرية والإقليمية. وبين مؤيد يرى في هذه السياسة دفاعًا عن السيادة والاستقلال ودعمًا لقضايا المنطقة، ومعارض يعتبرها سببًا في تصاعد التوترات، بقي السيد الخامنئي الشخصية الأكثر تأثيرًا في رسم ملامح السياسة الإيرانية الحديثة.
لقد مرت إيران في عهده بمحطات ثقيلة؛ حصار اقتصادي، وعقوبات غير مسبوقة، وتهديدات عسكرية، وأزمات إقليمية متلاحقة، ومحاولات لعزلها سياسيًا. ومع ذلك، استطاعت الحفاظ على مؤسساتها، وتطوير قدراتها في مجالات متعددة، والاستمرار في لعب دور فاعل في القضايا الإقليمية والدولية، وهو ما جعلها حاضرة في حسابات القوى الكبرى، سواء بوصفها شريكًا في التفاوض أو خصمًا في الصراع.
إن قراءة مسيرة السيد علي الخامنئي لا ينبغي أن تكون قراءةً لشخص فحسب، بل لمرحلة كاملة من تاريخ إيران الحديث؛ مرحلة انتقلت فيها البلاد من التبعية إلى السعي لترسيخ استقلال قرارها، ومن الثورة إلى بناء الدولة، ومن المواجهة الداخلية إلى الحضور الإقليمي والدولي.
ستة عقود مضت، وما زال هذا الاسم حاضرًا في قلب الأحداث، لا باعتباره مجرد قائد سياسي، بل رمزًا لمرحلة صنعتها السجون، وصقلتها محاولات الاغتيال، ورسختها سنوات القيادة في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابًا. وسواء اتفق المراقبون مع خياراته أو اختلفوا معها، فإن تأثيره في تاريخ إيران والمنطقة يبقى حقيقة يصعب تجاوزها، وسيظل موضع دراسة ونقاش لأعوام طويلة قادمة.
#ملتقى-الكاتبات-الثائرات