❗خاص ❗️sadawilaya❗
✍️ د. أحلام شرف الدين
حين تتعثر البوصلات وتضل السفن في لجج الأمواج، لا ينجو إلا من تمسك بنجمٍ ثابت لا يأفل!!! وفي سماء هذا العصر، برز من بين العلماء من جمع بين هيبة الصمت وبلاغة الكلمة، فكان إذا نطق أنصت العقول قبل الآذان، وإذا كتب قرأ التاريخ حروفه قبل الناس.
خرج من صومعة العلماء في مشهد حاملاً في صدره علماً، وفي لسانه حكمة، وفي قلبه يقيناً لا تزعزعه العواصف!!
رأيناه صلباً كالجبل حين يُذكر اسم الكرامة، فلا ينحني أمام إعصار، ولا يساوم على حقٍ، وليّناً كالنهر حين يخاطب الشباب، يغدق عليهم من حنان الأب ونصيحة العالم!! فجمع في شخصه جلال القائد ورحمة المعلّم، لا هو بالغليظ فينفر الناس، ولا هو بالضعيف فتضيع الحقوق.
وفي زمنٍ صار فيه ميزان الرجال بالقصور والمواكب، اختار طريق الزاهدين؛ بيتٌ لا تبهجه الزخرفة، ومكتبةٌ لا يشبع منها نهمه للقراءة والتأمل!! زهده لم يكن عجزاً عن الدنيا، بل بصيرةً عرف بها أن قيمة الإنسان في أثره لا في أثاثه، وأن هيبة العالم لا تُشترى، وإنما تُوهب لمن نذر عمره للحق.
وحين نطقت ألسن كثيرة بلغة المصالح، ظل صوته نداءً لا يخبو لصرخة المظلوم!! لم يرَ في قضايا الأمة ملفاتٍ تُفاوض وتُقايض، بل رآها أماناتٍ في الأعناق تُصان!!! من قدسٍ تُنتهك حرمته، إلى طفلٍ تُزهق براءته، إلى شعبٍ يُحاصر في قوته؛ كان يقول للعالم بصوتٍ لا يعرف التردد: لا تساوموا على إنسانية الإنسان!!!
ليس القائد من تصفق له الحشود، بل من يصنع من الحشود رجالاً!!! وليس العالم من يُحفظ كلامه في الكتب، بل من يحوّل كلامه إلى طريقٍ تمشي عليه الأجيال!!! فصار في وجدان محبيه مدرسةً عنوانها "إن مع العسر يسراً"، وشعارها "نحن قادرون".
وإذا سألت الأيام يوماً: من كان يوقد المصابيح حين أطفأ العالم شموسه؟ أجاب التاريخ بلسان الوفاء: رجلٌ جعل من قلمه سيفاً، ومن صبره حصناً، ومن حكمته منارةً تهتدي بها السائرون.