من الإرسالية إلى الهيمنة الثقافية قراءة نقدية في دور المؤسسات الإنجيلية الأميركية في إعادة تشكيل المجتمع اللبناني وعلاقته
من الإرسالية إلى الهيمنة الثقافية
قراءة نقدية في دور المؤسسات الإنجيلية الأميركية في إعادة تشكيل المجتمع اللبناني وعلاقته بالمنظومة الغربية (1860–2025)
علي رضا ناصرالدين
يصعب فهم البنية الثقافية والسياسية للبنان الحديث من دون دراسة الدور الذي لعبته الإرساليات البروتستانتية الأميركية منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر. فهذه الإرساليات لم تكن مجرد نشاط ديني يهدف إلى نشر مذهب مسيحي جديد داخل مجتمع متعدد الطوائف، بل شكّلت مشروعاً متكاملاً للتأثير الاجتماعي والثقافي عبر التعليم والطب والطباعة والعمل الأهلي.
وتزداد أهمية هذه الدراسة عندما نلاحظ مفارقة أساسية فالطائفة الإنجيلية بقيت صغيرة العدد داخل المجتمع اللبناني، إلا أن المؤسسات المرتبطة بها نجحت في إنتاج تأثير يفوق حجمها الديموغرافي بأضعاف كثيرة. ومن هنا يبرز السؤال المركزي، كيف استطاعت أقلية دينية محدودة العدد أن تساهم في تشكيل جزء كبير من النخبة السياسية والاقتصادية والثقافية اللبنانية؟
تفترض هذه الدراسة أن سر النفوذ الإنجيلي لا يكمن في التبشير المباشر، بل في بناء بنية ثقافية وتعليمية طويلة الأمد نقلت شرائح واسعة من المجتمع اللبناني من مرجعياتها التقليدية إلى مرجعيات فكرية مرتبطة بالغرب الأميركي.
الإرساليات الأميركية بعد أحداث 1860
شكّلت أحداث 1860 في جبل لبنان ودمشق نقطة تحول كبرى في تاريخ التدخل الغربي في المشرق. ففي أعقاب المجازر والصراعات الطائفية توسع النشاط الإرسالي الأميركي بصورة ملحوظة. حيث لم يكن هذا التوسع مجرد استجابة إنسانية للأزمة، بل ترافق مع تأسيس مدارس ومراكز طبية ومطابع ومؤسسات تعليمية هدفت إلى بناء حضور دائم داخل المجتمع المحلي. ومنذ تلك المرحلة بدأ يتشكل نمط جديد من النفوذ لا يعتمد على السيطرة العسكرية أو السياسية المباشرة، بل على تشكيل العقول وإعادة إنتاج النخب.
المدرسة بديلاً عن الكنيسة
تكشف التجربة الإنجيلية في لبنان عن حقيقة لافتة، المبشرون الأميركيون لم يحققوا نجاحاً كبيراً في تحويل اللبنانيين إلى المذهب البروتستانتي، لكنهم حققوا نجاحاً استثنائياً في تحويلهم إلى متلقين للثقافة الغربية الحديثة. لقد اكتشف المبشرون مبكراً أن المدرسة أكثر فعالية من الكنيسة، فالطالب الذي يتلقى تعليمه بلغة أجنبية، ويقرأ كتباً مترجمة من الغرب، ويتعلم التاريخ والعلوم والفلسفة وفق مناهج أميركية، يصبح أكثر استعداداً لتبني رؤية مختلفة للعالم حتى لو لم يغيّر انتماءه الديني، وهكذا انتقل مركز الثقل من التبشير العقائدي إلى إعادة تشكيل الوعي الثقافي.
اللغة الإنجليزية كأداة سلطة
لم تكن اللغة الإنجليزية مجرد وسيلة تعليم، فقد تحولت تدريجياً إلى أداة للترقي الاجتماعي، فمن يتقن الإنجليزية يحصل على فرص أفضل في التعليم والعمل والهجرة والعلاقات الدولية. ومع مرور الزمن أصبحت الإنجليزية مرتبطة بصورة ضمنية بالنخب والحداثة والتقدم. وبذلك نشأت فئة اجتماعية جديدة تنظر إلى الغرب بوصفه المرجعية الطبيعية للتطور، بينما تنظر إلى بيئتها المحلية بوصفها متأخرة أو بحاجة إلى إعادة تشكيل.
الجامعة الأميركية وصناعة النخب
تمثل الجامعة الأميركية في بيروت ذروة المشروع الثقافي الأميركي في المشرق. فهي لم تكن مجرد جامعة، بل مؤسسة لإنتاج النخب. خرجت الجامعة آلاف الأطباء والمهندسين والإداريين والصحافيين والسياسيين الذين شغلوا مواقع مؤثرة في لبنان والعالم العربي. والمهم هنا ليس عدد الخريجين، بل طبيعة التكوين الفكري الذي تلقوه. فالجامعة رسخت نموذجاً معرفياً قائماً على المرجعية الأكاديمية الغربية واللغة الإنجليزية والاتصال بالمؤسسات الأميركية، وهذا ما جعلها إحدى أهم قنوات القوة الناعمة الأميركية في المنطقة.
من الغرب إلى إسرائيل
هنا تظهر القضية الأكثر حساسية، ليس من السهل إثبات أن المؤسسات الإنجيلية في لبنان عملت مباشرة على الترويج لإسرائيل طوال تاريخها، فالوقائع التاريخية أكثر تعقيداً من ذلك، لكن يمكن ملاحظة مسار مختلف. فالتعليم الإنجيلي ساهم في إنتاج فئات اجتماعية ترى العالم من خلال منظومة فكرية غربية. وفي مرحلة لاحقة أصبحت إسرائيل جزءاً عضوياً من هذه المنظومة الغربية في المجال السياسي الأميركي.
وبالتالي فإن التماهي مع الغرب قد يقود، عند بعض الفئات، إلى تراجع مركزية الصراع مع إسرائيل أو إلى النظر إليه من زاوية مختلفة عن الرؤية السائدة في البيئات القومية أو المقاومة. وهنا يكمن جوهر المسألة، فالنفوذ الثقافي لا يعمل عادة عبر الإقناع المباشر، بل عبر إعادة تعريف الأولويات والمرجعيات.
أخيراً لا تظهر التجربة الإنجيلية في لبنان بوصفها مشروعاً تبشيرياً دينياً فحسب، بل بوصفها مشروعاً ثقافياً طويل الأمد نجح في إعادة تشكيل جزء من البنية الفكرية للنخب اللبنانية. أما الربط بين هذا المشروع وبين إسرائيل في يتم بحذر منهجي. والأدلة المتاحة تشير بصورة واضحة إلى عملية تغريب ثقافي واسعة النطاق، كما ان الادلة تثبت وجود مشروع مباشر ومستمر لتكوين مجتمع متماهٍ مع إسرائيل. وما يمكن قوله بثقة هو أن المؤسسات الإنجيلية ساهمت في إنتاج بيئات اجتماعية وثقافية أقرب إلى المنظومة الغربية المتماهية مع إسرائيل في مكوناتها السياسية والاستراتيجية الأساسية.
ان ما ينشر من اخبار ومقالات لا تعبر عن راي الموقع انما عن رأي كاتبها