لـكـيـفـيـة الـتـعـامـل مـع لـبـنـان، ومـع الـمـشـروع الإسرائـيـلـي فـي الـمـنـطـقـة
ما حصل، أن إيران صمدت. والأهم، أن حزب الله هو الذي بادر إلى مهاجمة قوات الاحتلال، وأظهر قدرة أعادت دوره إلى الواجهة من جديد.
وفي سياق مراجعة ملفّه، ظهرت سوريا إلى السطح. وكانت الإشارة الأولى،
تتعلّق بما اعتبرها الغربيون والصهاينة مفاجأة، كونهم اعتقدوا أن سقوط النظام، أغلق ساحة سوريا كمعبر لتغذية المقاومة في لبنان بالسلاح والمال.
وهي معزوفة عمل عليها العدو طوال فترة الـ15 شهراً، واستُخدمت من قبل خصوم المقاومة في معرض الحديث عن نهاية حزب الله.
ولذلك جاءت المراجعة الأولى من قبل واشنطن والسعودية (نيابة عن إسرائيل) مع حكومة أحمد الشرع، حول استمرار استخدام حزب الله للساحة السورية معبراً لتمرير أسلحة وأموال آتية من إيران عبر العراق.
وكان ردّ الشرع الدائم، بأنه مستعدّ للتعامل مع أي معلومات موثّقة لا مع ادّعاءات، علماً أن أجهزة الأمن السورية عملت بقوة على الحدود، وأوقفت العشرات من العاملين في مجال التهريب، قبل أن تكتشف أن إسرائيل كانت قد جنّدت قسماً لا بأس به من هؤلاء،
ومع ذلك قالت الحكومة الجديدة في سوريا للولايات المتحدة وللسعودية إنها تحتاج إلى أدلّة ومعطيات حتى تتصرّف.
مع الوقت، انشغل الجميع في معاينة تداعيات الحرب على الواقع السياسي في المنطقة.
وخرجت الأصوات التي تتحدّث عن تأثّر سوريا القوي بما يحصل، خصوصاً أن الراعي الأبرز لحكم الشرع، أي تركيا، وجد نفسه أمام واقع جديد في المنطقة.
كما خرج إلى السطح موقف كان كامناً عند مجموعة وازنة من الفصائل والقيادات الجهادية في سوريا، التي اعتبرت أنه آن الأوان لرفع الصوت ضد «السلبطة الإسرائيلية»، مع رفع الاحتلال مستوى التغوّل في الجنوب السوري.
وترسّخت مع الوقت القناعة لدى الشرع وفريقه بأن إسرائيل هي الطرف العائق أمام توحيد كل سوريا تحت سلطة الحكم الجديد،
وأنه حتى بعد معالجة الجزء الخاص بالأكراد، فإن إسرائيل لا تزال تتحرّش بالأكراد، وهي تقيم «دويلة» للدروز وبدأت بنسج علاقات مع العلويين في الساحل السوري.
لكنّ الأهم، هو أن الشرع وجد بعد جولات عدّة من التفاوض المباشر مع إسرائيل برعاية أميركية، أن تل أبيب لا تريد الانسحاب من الأراضي التي احتلتها بعد سقوط النظام، وأنها لن تترك للدولة السورية إدارة الأمور في جنوب البلاد مثل بقية المناطق، وهو ما دفع دمشق إلى تعليق المفاوضات، وهو أمر لم يُغضِب إسرائيل أصلاً، لكنّ المفاجأة كانت في أن الأميركيين تركوا الملف يبرد قليلاً...
من خارج السياق، جاءت الأزمة اللبنانية لتفرض نفسها على جدول أعمال القيادة السورية الجديدة،
وتبيّن مع الوقت أن الولايات المتحدة كانت طرحت مع الشرع، فكرة التدخّل في لبنان من جديد، وبينما كانت المُغريات تُقدّم إلى دمشق من زاوية إعادة بسط نفوذها السياسي وحتى الاقتصادي في لبنان،
فإن المطلب الرئيسي انحصر في دور مباشر لدمشق في مواجهة حزب الله.
وقد تدرّج الأميركيون في مطالبهم بالتطابق مع الموقف السعودي الذي طلب من دمشق دعم السلطة في لبنان من أجل «فرض سيطرتها على كامل لبنان»،
وهي العبارة التي تخفي من ورائها المطلب إياه: تعالوا وساهموا في معركة نزع سلاح حزب الله!.
ومع الوقت، بدأت الأمور تتكشّف،
وتبيّن أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان قد طرح الموضوع مع تل أبيب، لكنها ردّت سلباً، فهي قالت إن الشرع لا يقدر على هزيمة حزب الله،
ثم أضافت أن دخول السوريين إلى لبنان سوف يعرّض مشروع إسرائيل في لبنان للخطر. وبعد توقّف الحرب مع إيران،
خرج ترامب ليعلن أن إسرائيل لم تتمكّن من إنجاز المهمة، قبل أن يوفد توم برّاك إلى الشرع للبحث في الموضوع، وحاملاً دعوة لزيارة واشنطن قبل نهاية نيسان الماضي.
الشرع الذي اعتبر أنه نجا من المحاولات السابقة، ووقف مثل آخرين على التل في انتظار نتائج المواجهة بين أميركا وإسرائيل وإيران وحزب الله،
وجد نفسه في مأزق، فتوجّه إلى الأتراك طالباً النجدة، ليتبيّن لاحقاً أن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان كان اللاعب الأبرز في إلغاء الزيارة إلى الولايات المتحدة،
مع وعد منه لترامب، بأن تلعب سوريا دوراً في معالجة ملف حزب الله، لكن خارج السياق الإسرائيلي.
ويقول مسؤولون في أنقرة إن هذا الكلام قيل صراحة للموفد برّاك،
الأمر الذي أثار غضب ترامب، ثم بدأت الأصوات ترتفع في أوروبا منتقدةً حكم الشرع، وتوالت الأخبار عن تجميد المشاريع الكبيرة التي قدّمتها دول الخليج لإطلاق دورة تنموية شاملة في سوريا،
قبل أن يخرج من الخليج من يقول إن أضرار الحرب على إيران تجعل من الصعب الآن الإيفاء بالوعود.
لتعود الأمور مرة جديدة إلى المربّع الأول، وهو ما ترافق مع التغيير الذي حصل في العراق، بوصول رئيس جديد للحكومة كان محل توافق بين إيران (من خلال حلفائها) والولايات المتحدة الأميركية.
الـشـرع اسـتـنـجـد بـإردوغـان لـعـدم الـذهـاب إلـى واشـنـطـن، وأنـقـرة تـعـمّـدت الـتـواصـل مـع قـيـادات سـنّـيـة فـي لـبـنـان لـلـتـحـذيـر مـن مـشـروع الـفـتـنـة الـمـذهـبـيـة
ومع تكرار الرئيس الأميركي حديثه عن أن الشرع أقدر على معالجة مشكلة حزب الله،
برز الموقف التركي، خصوصاً أن أنقرة كانت قد انتبهت إلى تعاظم النفوذ السعودي في سوريا،
وقام تفاهم بينها وبين مصر على ضرورة تحذير الشرع من أي خطوة خاطئة في لبنان، ليخرج بعده كلام أكثر قسوة من جانب المسؤولين الأتراك،
والقول إن ما تقوم به إسرائيل لم يعد يستهدف إيران وأنصارها، بل يستهدف تركيا ومصر أيضاً.
وقد تُرجم الأمر عبر ضغوط كبيرة مارستها أنقرة على الشرع لعدم التورّط في لبنان.
وكان لافتاً أن رئيس المخابرات التركية إبراهيم كالن، تولّى شخصياً، الحديث في لقاءات متواصلة مع شخصيات فلسطينية وسورية ولبنانية،
عن أن فكرة التدخل السوري في لبنان، مجرّد تسريبات مصدرها الأول هو الولايات المتحدة،
وأن السياسيين والإعلاميين المقرّبين من السعودية هم من يروّجون للأمر.
حتى إن كالن، استقبل قيادات لبنانية، وتعمّد أن تكون من الطائفة السنّية، ومن قوى لا ترضى عنها السعودية (مثل الجماعة الإسلامية وتيار المستقبل وشخصيات مستقلة) وإبلاغها جميعها بأن تركيا وسوريا لا تعملان في خدمة المصالح الإسرائيلية،
وأن انتصار إسرائيل في الحرب القائمة يشكّل ضربة للأمن القومي التركي،
علماً أن الجانب التركي كان يراسل حزب الله على الدوام، مباشرة أو عبر الإيرانيين أو حتى عبر حركة حماس،
مؤكداً على أن أنقرة لن تقبل بأي تدخل سوري في لبنان لمصلحة إسرائيل.
ومع ذلك، فالأمر لا يستقيم عند هذا الحد. ذلك أن الشرع يحتاج إلى استقرار في علاقته مع الولايات المتحدة الأميركية والسعودية والإمارات، وهو لا يريد استفزاز أحد بمن في ذلك إسرائيل.
وإزاء الضغوط، يبدو أن الشرع وصل إلى تفاهم مع الأتراك على تقديم الطلب الأميركي بطريقة مختلفة،
وهو ما بدأه الشرع نفسه، في مقابلة مع قناة «المشهد»، حين قدّم تفسيراً لكلام ترامب،
بما يتناسب والدور الذي يريده لسوريا، ثم عاد الجانب التركي وأفاض في الشرح لمن يهمّه الأمر.
وكان على الجميع إنجاز الأمر قبل زيارة أسعد الشيباني إلى بيروت، والتي حملت ما اعتبره الجميع تطوراً من خلال أمرين:
الاول هو الاجتماع مع الرئيس نبيه بري باعتباره الممثّل الأبرز للشيعة في لبنان، والثاني إطلاق دورة التواصل مع السنّة في لبنان.
اليوم، عادت سوريا إلى لبنان، لكنّ فعّالية الدور لا تقف فقط عند الرغبة،
بل عند القدرة على إدارة هذا الملف الحساس، وإذا كانت دمشق تميل ضمناً إلى المقاربة التركية – المصرية لمعالجة ملف سلاح حزب الله،
من خلال إطلاق حوار وطني لبناني – لبناني، فإن اللافت هو الرسائل التي أوصلتها قيادة الشرع إلى الرئيسين عون وسلام بشأن مسار التفاوض مع إسرائيل،
حيث تتبنّى دمشق التحذيرات من التورّط في خيارات تؤدي إلى تهديد الاستقرار في لبنان، ليس حرصاً على لبنان فقط،
بل كون ما يحصل فيه سيؤثّر حكماً على الأمن القومي لسوريا نفسها...
يبدو أننا أمام صراع كبير حول الصيغة المُفترض إقرارها لترجمة طلبات الرئيس الأميركي بشأن لبنان،
بين نسخة سعودية تتبنّى السردية التي يسير فيها عون وسلام وآخرون من القوى السياسية، والتي تقوم على مبدأ الصدام مع حزب الله،
ونسخة تركية تقول إن الحوار هو أساس أي خطوة تتعلّق بالمستقبل السياسي للنظام في لبنان، أو بشأن ملف التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي وسلاح المقاومة.