بيروت والنصوص المستوردة من واشنطن الاخبار محمد مشيك الثلاثاء 30 حزيران 2026 دائماً ما يبحث الأمريكي عن مفاوض واحد له حي
بيروت والنصوص المستوردة من واشنطن
الاخبار: محمد مشيك
الثلاثاء 30 حزيران 2026
دائماً ما يبحث الأمريكي عن مفاوض واحد له حيثيّة معيّنة، ينساق للإغراءات التي يضعها له، أو يخضع للضغوط التي يفرضها، من أجل تمرير الصفقات، وهذا ما رأيناه في كلّ دول المنطقة. لكنّ في الزواريب الدستوريّة اللبنانيّة الأمر معقّد جدّاً، بدءاً بالميثاقية اللبنانية، ومروراً باتفاق الطائف وتوزيع سلطة القرار الخارجي على عدّة جهات، منها رئيسا الجمهورية والحكومة، ومجلس الوزراء، والمجلس النيابي.
إنّ أخطر ما يمرّ به لبنان ليس الحرب، بل النصوص المكتوبة المستوردة، حيث إنّ الاعتماد على صيغ جاهزة لاتفاقات يعتبر ضرباً للسيادة اللبنانيّة في الصميم، لأنّ السيادة دِيست تحت الأقدام وراء كواليس المفاوضات في واشنطن.
دائماً ما تأتي مصالح القوى العظمى على حساب الدول الصغيرة التي تعتبر فريسة سهلة. بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، فالنصّ ليس مقدساً، بل هو أداة تستعمل لتحقيق مصالحها، وهذا ما جرى عند توقيع الاتفاق النووي الإيراني في عهد باراك أوباما. ومن ثمّ جاء دونالد ترامب وانسحب من الاتفاق. فكيف الحال بالنسبة لإطار اتفاق تشوبه مغالطات وشوائب كثيرة تهدّد مصلحة الدولة اللبنانية؟ لهذا السبب يقع لبنان في فخ يؤدي إلى تهديد الاستقرار، عندما يتعامل مع النصوص الأمريكية بحسن نية قانونية، بينما تعامل الإدارة الأمريكية هذه النصوص كأداة تقضم تدريجياً السيادة اللبنانيّة.
إن وضع الحبر على المعاهدات أو الاتفاقيات الدولية لم يكن يوماً مجرد إجراء شكلي في بلد مثل لبنان، حيث التوازن الطائفي هش جداً. وراء الكواليس الدبلوماسية، يستخدم مصطلح «الاتفاقيات المبسطة» غالباً لتجاوز الرقابة الشرعية، وخداع وعي الرأي العام. لكن عندما يتعلق الأمر باتفاقيات حاسمة تحدد الحدود أو الموارد أو تشمل ترتيبات أمنية مع عدو تاريخي مثل إسرائيل برعاية واشنطن، تنهار كل الحجج التقنية؛ فالأمر يصبح مسألة سيادة مطلقة تتطلب بوضوح موافقة برلمانية صريحة مسبقة.
تحت ضغط الولايات المتحدة وبعض الدول، تمّ الحديث عن «اتفاق إطار» وذلك هرباً من رقابة البرلمان اللبناني
فقد نصّت المادة 52 من الدستور اللبناني بأنّ: «يتولى رئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة. ولا تصبح مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء. وتطلع الحكومة مجلس النواب عليها حينما تمكنها من ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة. أما المعاهدات التي تنطوي على شروط تتعلق بمالية الدولة والمعاهدات التجارية وسائر المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنةً فسنةً، فلا يمكن إبرامها إلا بعد موافقة مجلس النواب». تحت ضغط الولايات المتحدة وبعض الدول، تمّ الحديث عن «اتفاق إطار» وذلك هرباً من رقابة البرلمان اللبناني. إلا أنّ «اتفاق الإطار» الّذي تمّ توقيعه في واشنطن، من الناحية الدستورية والفقهيّة أيضاً، يجب أن يتم أخذ موافقة المجلس النيابي مسبقاً.
أمّا المادة (65) من الدستور فقد جعلت المعاهدات الدوليّة من المواضيع الأساسيّة الّتي تشترط موافقة ثلثيّ أعضاء الحكومة. وبالتالي فإنّ الشرعيّة الدوليّة لأيّ اتفاق بين الدول يجب أن تمرّ من خلال الشرعيّة المحليّة، وطالما أنّ لبنان يعتبر إسرائيل عدواً، فإنّ الاتفاق حبرٌ على ورق، ويعرّض من وقّعه ومن فوّضه إلى المحاكمة بسبب الخيانة العظمى لمخالفته نصوص الدستور اللبناني.
وبالتالي فإنّ نصوص هذا الاتفاق ولدت ميتة، إلا أنّها ستنتج نزاعاً مستمراً، فالدستور اللبناني ليس فقط النصوص المكتوبة، بل الأعراف الدستوريّة، ومنها الميثاقيّة الّتي تولّدت بين بشارة الخوري ورياض الصلح. لذلك جاءت الميثاقيّة لتكمّل العقد الاجتماعي اللبناني من أجل تحقيق استقرار استراتيجي. ووفقاً لما نصّت عليه الفقرة (ي) من مقدمة الدستور اللبناني: «لا شرعية لأيّ سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك». وهذا يعني أنّ السّلطة الّتي وقّعت اتفاق الإطار فقدت شرعيتها القانونيّة والأخلاقيّة والسياسيّة.
ومن ثمّ فإنّ الركيزة الأساسيّة هي قانون مقاطعة إسرائيل لعام 1955، وبالتالي فإنّ أيّ اتفاق مهما كانت التسمية التي تطلق عليه، ويتضمن أي اعتراف مبطن أو تنسيقاً أمنياً مباشراً أو تهيئة لأي عمل تجاري مع العدو الإسرائيلي، يعتبر باطلاً بطلاناً مطلقاً لعلة مخالفة النظام العام اللبناني، وهذا يعني أنه لا يمكن للسلطة التنفيذيّة أن تبرّر ذلك بأي وسيلة كانت لتمرير اتفاقيات مبطّنة مع العدو.
تمثّل النصوص الدستوريّة وما يتبعها من أعراف، وكذلك الميثاق الوطني، الرّكيزة الأساسيّة لاستعمال حقّ النقض بوجه أيّ اتفاق لا يراعي المصلحة الوطنيّة العليا ويحافظ على الأمن القومي اللبناني، لذلك يبقى اتفاق الإطار نصاً مستورداً من الغرباء، عاهة تشوّه السيادة الوطنيّة، وتبقى حبراً على ورق.
ان ما ينشر من اخبار ومقالات لا تعبر عن راي الموقع انما عن رأي كاتبها