الاخبار: حسين صبرا السبت 27 حزيران 2026
لم ينتظر رئيس الجمهورية جوزاف عون طويلًا ليمنح الاتفاق الذي وُقّع ليل أمس صفة «الخطوة الأولى نحو استعادة السيادة الكاملة»، رغم أن الوقائع الميدانية والسياسية والتصريحات الإسرائيلية المتصلة به لا تشير إلى أي تحوّل فعلي في وقف الحرب، بل على العكس، توحي بتكريس واقع أمني جديد في الجنوب يشرّع استمرار الاستهداف الإسرائيلي ويمنح الاحتلال هامشاً إضافياً للبقاء في القرى المحتلة.
في خطابه، يقدّم عون الاتفاق بوصفه إنجازاً سيادياً، مستخدماً مفردات عالية السقف، كـ«استعادة لبنان لسيادة دولته على أراضيه كاملة غير منقوصة ذرة»، و«العودة إلى الأرض المحررة كاملة».
غير أن هذا الخطاب يصطدم مباشرةً بحقيقة أساسية: الجنوب لم يُحرَّر، والاحتلال لم ينسحب، بل إن الاتفاق نفسه، وفق ما تسرّب من مضمونه، لا يتضمّن أي جدول زمني واضح للانسحاب الإسرائيلي، ولا ضمانات ملزمة توقف الاعتداءات، بل بصمة لبنانية (بالعشَرة) تتيح مواصلة العدوان.
في مقابل حديث عون عن «استعادة الدولة لدورها»، و«حصر السلاح بيد الدولة»، يخرج رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو بمواقف واضحة لا تحتمل التأويل، معلناً أنّ «إسرائيل ستبقى في الحزام الأمني حتى تجريد حزب الله من سلاحه»، ومؤكداً أنّ «انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان لن يتم إلا بعد نزع سلاح حزب الله».
هذه التصريحات لا تضع فقط شرطاً سيادياً على لبنان، بل تعكس سعياً لفرض معادلةٍ سياسيةٍ وأمنيةٍ تتجاوز حدود الدولة.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ يذهب نتنياهو أبعد من ذلك باعتبار «اتفاق الإطار ضربةً قويةً لإيران التي حاولت فرض انسحاب علينا من جنوب لبنان»، مضيفاً أنّ هذا الاتفاق «يؤكد عدم وجود دورٍ لإيران وحزب الله في لبنان».
هذا الاتفاق، لن يصمد، وستتعامل معه المقاومة والشرفاء في لبنان كأنه غير موجود
هنا، يتحوّل النقاش من مسألةٍ داخليةٍ لبنانية، إلى جزءٍ من صراع يشرّع وجود الاحتلال، ويلغي فكر المقاومة، تُستخدم فيه أدوات الضغط السياسي والاقتصادي لإعادة تشكيل المشهد اللبناني بما يتناسب مع المصالح الإسرائيلية… المصالح الإسرائيلية فقط!!!
الأخطر في هذه المواقف هو ما أعلنه نتنياهو صراحةً من أنّه «لن نسمح بعودة السكان اللبنانيين لمنطقة الحزام الأمني الواقعة تحت سيطرتنا»، في إعادة إنتاج واضحة لمفهوم «الشريط الحدودي» بصيغةٍ جديدةٍ، تُبقي الاحتلال قائماً تحت مسمّياتٍ مختلفة، وتمنح إسرائيل حقّ التحكّم بالجغرافيا اللبنانية وبحركة سكانها.
فأين الأراضي المحررة يا فخامة الرئيس؟ وأين عودة الأهالي؟ وأنهم حصدوا ثمار تضحياتهم التي تحدّثت عنها في خطابك؟
هنا، يظهر التناقض الأول بين النص السياسي والواقع الميداني. فكيف يمكن الحديث عن «أرض محررة كاملة» فيما لا تزال قوات الاحتلال متمركزة في عدد من القرى، وتواصل عملياتها العسكرية تحت ذرائع أمنية مفتوحة؟ وكيف يُقدَّم الاتفاق كمدخل لإنهاء العدوان، فيما يتيح، عملياً، إعادة تعريف هذا العدوان ضمن (قواعد اشتباك جديدة) بموافقة السلطة اللبنانية؟
التناقض الثاني يتصل بطبيعة الاتفاق نفسه. فبدل أن يكون اتفاقاً يفرض على إسرائيل التزامات واضحة، يبدو أقرب إلى «اتفاق إطار فضفاض»، يركّز على التهدئة الشكلية ويؤجّل القضايا الجوهرية. استخدام عون لهذا المصطلح (اتفاق الإطار) ليس تفصيلاً لغوياً، بل يعكس إدراكاً ضمنياً بأن ما تحقق لا يتجاوز كونه بداية تفاوضية فاشلة، لا نتيجة نهائية. ومع ذلك، يجري تسويقه سياسياً على أنه إنجاز مكتمل.
أما البعد الثالث في خطاب عون، فيتعلق بمحاولة توظيف «تضحيات اللبنانيين» كعنصر شرعنة للاتفاق. إذ يربط بين صمود الأهالي وبين «تثمير التضحيات» عبر هذا الاتفاق. غير أن هذا الربط يطرح سؤالاً معاكساً: هل تثمير التضحيات يكون باتفاق لا يوقف القصف ولا يحرر الأرض، ويعيد الأسرى؟ أم بفرض معادلة ردع تُلزم العدو بالانسحاب الكامل؟
عون يحاول توظيف تضحيات اللبنانيين في خطابه كعنصر شرعنة للاتفاق
ولا يمكن فصل خطاب الشكر الذي وجّهه عون للإدارة الأميركية، وعلى رأسها (الصديق) دونالد ترامب، عن السياق السياسي الأوسع للاتفاق. فالإشادة بالدور الأميركي «الداعم لموقف لبنان» تتجاهل حقيقة أن واشنطن هي نفسها الراعي الأساسي للتفوق الإسرائيلي عسكرياً وسياسياً، وأن أي اتفاق يتم برعايتها يحمل بالضرورة سقفاً محدداً لا يتجاوز المصالح الإسرائيلية. هذا ما يجعل من الحديث عن «دعم استقلال لبنان» أقرب إلى توصيف دبلوماسي منه إلى واقع سياسي. وقلّ في لبنان من يفهم ذلك.
في المحصلة، لا يعكس خطاب عون توصيفاً دقيقاً لما جرى، بل محاولة لإعادة إنتاج الحدث ضمن سردية سياسية مريحة: اتفاق يُقدَّم كتحرير، ومرحلة انتقالية ساقطة تُسوَّق كإنجاز نهائي، وواقع ميداني معقّد يُختزل بشعارات سيادية فارغة.
ما جرى ليل أمس لا يبدو، حتى الآن، بداية لتحرير الجنوب، وفق ما يطن عون وفريقه السياسي، بل التنازل عن الجنوب، وإعادة تنظيم لإدارة الصراع بشروط تميل لمصلحة الاحتلال، أولاها نزع سلاح المقاومة، فيما يُطلب من اللبنانيين التعامل معها كخطوة نحو السيادة الكاملة. وهذه، بحد ذاتها، هي المفارقة الأساسية التي يتجنّب الخطاب الرسمي الاعتراف بها.
أمام هذا الخطاب، يصبح السؤال مشروعاً حول مدى واقعية الرهان على مقارباتٍ داخليةٍ تتجاهل طبيعة المشروع الإسرائيلي. فالدعوة إلى «حصر السلاح»، تبدو في ضوء هذه التصريحات، أقرب إلى تلبية شروط يضعها العدو نفسه، لا إلى معالجةٍ داخليةٍ، قد أعلن الحزب مراراً استعداده لمناقشتها مع كافة الأطراف والتوصل إلى نتيجة ترضي الجميع.
إذ كيف يمكن الحديث عن سيادةٍ مكتملةٍ في ظلّ إعلانٍ إسرائيليٍّ صريح عن بقاء الاحتلال، وربط الانسحاب بشروطٍ سياسيةٍ وأمنيةٍ تمسّ جوهر التوازن الداخلي اللبناني؟
على كل حال، إن هذا الاتفاق المُذل الذي وقعت عليه السلطة اللبنانية:
• لا يُلزم الوطنيّ في لبنان
• ولا يلزم أغلبية الشعب اللبناني
• ولا يلزم المقاومة
• ولا حتى يلزم إيران الداعمة الأولى للسيادة اللبنانية.
هذا الاتفاق، لن يصمد، وستتعامل معه المقاومة والشرفاء في لبنان كأنه غير موجود.

