أمس، وبمحض الصدفة، تابعت مقابلة تلفزيونية مع سعادة النائب الدكتور علي فياض، فوجدت نفسي أمام حالة نادرة افتقدناها منذ زمن طويل؛ حالة تُشبه الوطن الذي نحلم به ولا نجده، وتشبه الحوار الذي نشتاق إليه ولا نسمعه.
لم يكن الأمر متعلقًا بالموقف السياسي أو بالاتفاق والاختلاف، بل بطريقة القول، بصدق الكلمة، وبرقي الخطاب. فعندما يتحدث الإنسان بلغة العقل والاحترام، يصبح الخلاف مساحة للتفكير لا ساحةً للخصومة.
في حديثه كان هناك إيمان بالشراكة الوطنية، واعتراف بأن الخطأ وارد، واحترام للرأي الآخر، ودفاع عن القناعات بلغة هادئة وواثقة، لا بلغة التخوين والإلغاء والصراخ. كان هناك منطق ووطنية وأدب سياسي نفتقده في زمنٍ تحوّلت فيه الأحذية إلى مفردات، والاتهامات إلى بديل عن الحوار.
لقد أتعبتنا سنوات الانقسام، وأرهقتنا لغة الكراهية، حتى كدنا نفقد إيماننا بوطنٍ يجمع أبناءه، وبمستقبلٍ يستطيع فيه المختلفون أن يجلسوا إلى الطاولة نفسها دون خوف أو عداء.
لذلك، كل التقدير والاحترام للدكتور علي فياض، ليس لأن الجميع يتفق معه، بل لأنه ذكّرنا بأن السياسة يمكن أن تكون أخلاقًا، وأن الاختلاف يمكن أن يكون حضاريًا، وأن الدفاع عن القناعة لا يحتاج إلى إساءة أو تخوين.
شكراً لأنك زرعت في قلوب كثيرين أملاً كاد أن ينطفئ؛ أملًا بوطنٍ يتسع للجميع، وبحوارٍ وطنيٍ راقٍ، وبكلمةٍ تبني بدل أن تهدم، وتجمع بدل أن تفرّق.
في زمن الضجيج، تبقى الكلمة الهادئة فعلًا ثوريًا، ويبقى احترام الإنسان للإنسان هو الانتصار الأجمل للوطن.