وقف النار الذي لا يُوقِف إسرائيل علي رضا ناصرالدين أمريكا تُعلن، وإسرائيل تُنفِّذ، وإيران تُهدِّد، ثم تعود الدوامة من
وقف النار الذي لا يُوقِف إسرائيل
علي رضا ناصرالدين
أمريكا تُعلن، وإسرائيل تُنفِّذ، وإيران تُهدِّد، ثم تعود الدوامة من جديد
صار المشهد مألوفاً حدَّ الغثيان... تُعلن واشنطن وقفاً لإطلاق النار، تُصفِّق العواصم، ويتنفَّس اهل الجنوب اللبناني الصعداء، ثم تنقضُّ الطائرات الحربية الإسرائيلية على الجنوب اللبناني، وعلى ما تبقَّى مما يمكن ضربه، فلا تجد من يوقفها إلا تهديداً إيرانياً يأتي في اللحظة الأخيرة، فتتراجع إسرائيل، وتُعلن التزامها، ثم تعود إلى ما كانت عليه فور أن تخبو جذوة التهديد.
هذا ليس وقفاً لإطلاق النار. هذا مسرح متكرِّر، تؤدِّي فيه إسرائيل دور المارق بامتياز.
خمس خروقات.. وعِداد مفتوح
منذ الأعلان عن انطلاق المفاوضات بين واشنطن وطهران، وما رافقها من تهيئة لمناخ التفاوض تمهيداً للمحادثات في سويسرا، التزمت الأطراف المعنية بالهدنة. جميع الأطراف، إلا واحداً.
خرق الكيان الإسرائيلي الاتفاق خمس مرات موثَّقة، وكأنه يُريد أن يُرسِّخ مبدأً.. ما يُوقَّع بلا توقيعه لا يُلزمه، وما يُتَّفق عليه بغير إذنه لا يعنيه. ثم جاء اليوم، الجمعة التاسع عشر من حزيران 2026، ليُتوَّج هذا النهج بأكثر من مئة غارة على مناطق لبنانية متفرِّقة، استثنت بيروت والضاحية الجنوبية، لا رحمةً بهما، بل حساباً لما قد تستجلبه ضربتهما من ردود.
طقس متكرِّر مع كل وقف اطلاق نار
ما جرى اليوم ليس استثناءً. إنه نمط. في الأحد الرابع عشر من حزيران، ضربت إسرائيل الضاحية الجنوبية، منطقة الغبيري تحديداً، بعد أن أوهمت الجميع بالتزامها. جاء التهديد الإيراني، فأعلنت وقف عملياتها. ثم عادت اليوم لتكرِّر السيناريو ذاته، بغارات أوسع وبمناطق أكثر، وانتظرت على مضض حتى الساعة الرابعة من بعد ظهر اليوم، حين أعلنت وقف أعمالها العسكرية.
ثلاثة أيام وتتجدَّد الدورة. الضربة، والتهديد، والتراجع المُؤقَّت. هذا ليس سياسةً أمنية، بل ابتزاز مُمنهَج تحت غطاء الهدنة.
إسرائيل تلتزم بما يناسبها
تجيد إسرائيل لغة الخطاب المُزدوج. تُعلن التزامها بوقف إطلاق النار وهي تُحضِّر الذخائر. تتحدَّث عن ضبط النفس وهي تختار أهدافها. وحين تُضغَط عليها تقول، نحن نلتزم، لكنَّنا نحتفظ بحق الدفاع عن النفس ـ وهي حجة مطَّاطة تتَّسع لكل ما تشاء. تحت غطاء هذه الحجة ضُرب الغبيري والبقاع، وتحتها نُفِّذت مئة غارة اليوم.
الحقيقة التي لا تقبل التأويل. إسرائيل لا تتوقَّف إلا حين تُهدَّد بثمن حقيقي . لا تُقنعها الدبلوماسية، ولا تُوقفها القرارات الدولية، ولا يردعها الاستنكار. تتوقَّف فقط حين يأتي التهديد الإيراني بقصفها مباشرةً، فإذا مرَّ التهديد وخَبَت حدَّته، عادت إلى مربَّعها الأول.
حزب الله وحق لا يسقط بالهدنة
في خضمِّ هذا كله، ثمة حقيقة يُحاول الخطاب الإعلامي الغربي طمسها. حزب الله لم يُعلن انتهاء مقاومته، ولن يفعل. وليس لأنه يسعى إلى التصعيد بلا سبب، بل لأن شبراً من أرضه لا يزال تحت الاحتلال. ما لم تُرفع القدم الإسرائيلية عن كل شبر لبناني محتَّل، يبقى حق المقاومة قائماً، شرعياً، لا تُلغيه هدنة مُبرَمة فوق رؤوس أصحابه، ولا تُجمِّده مفاوضات تدور في عواصم بعيدة.
الاحتلال يسبق وقف إطلاق النار. وما دام الاحتلال قائماً، يبقى الرد عليه حقاً أصيلاً.
فخلاصة لا تحتاج تلطيفاً... والمشهد في جوهره بسيط...
أمريكا تُعلن ولا تُلزم...
وإسرائيل تخرق ولا تُعاقَب...
وإيران تُهدِّد فتتراجع إسرائيل مؤقَّتاً...
ثم تعود الدوامة.
وفي الوسط، شعب الجنوب يدفع الثمن من دمه وبيوته وأحيائه.
هدنة لا ضامن لها غير تهديد طهران...
ومفاوضات لا يحترمها من يملك أكثر الأسلحة في المنطقة...
هي في الحقيقة ليست هدنة....
هي فرصة لالتقاط الأنفاس قبل الجولة القادمة.
وإسرائيل تعرف ذلك جيداً...
ان ما ينشر من اخبار ومقالات لا تعبر عن راي الموقع انما عن رأي كاتبها