❗️#شكراايرانالوفاء ❗️
❗خاص ❗️sadawilaya❗
حمزة العطار
يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بجدية وصدق إلى تعزيز مسار التفاوض مع إيران، على أمل إزالة الخطر النووي من الشرق الأوسط وتسجيل إنجاز تاريخي يضاف إلى سجله قبل الاستحقاقات الانتخابية. وفي المقابل، أبدت طهران تجاوباً محسوباً، لكنها ربطت أي تقدم نووي بشرط واضح لا لبس فيه: كبح جماح بنيامين نتنياهو ومنعه من أي أعمال عدائية تجاه لبنان وجبهة المقاومة. وهنا تبرز المعضلة التي ستحكم المرحلة المقبلة: هل ستختار واشنطن فرض الهدوء والانسحاب على تل أبيب، أم سيتمرد نتنياهو كعادته ليفجّر كل شيء؟
ترامب والتفاوض الصادق: البحث عن "صفقة القرن النووية"
لم تعد لغة ترامب تجاه إيران لغة المواجهة المطلقة. فالرجل الذي وصم طهران سابقاً بـ"محور الشر" بات اليوم يتحدث عن "دولة عظيمة" و"اتفاق عظيم ممكن". هذا التحول ليس تغيراً أيديولوجياً بقدر ما هو حسابات تاجر يبحث عن الصفقة الرابحة. ترامب يدرك أن حرباً إقليمية ستفجر أسعار النفط وتقضي على آماله الاقتصادية والانتخابية. كما يدرك أن صورة "رجل السلام" الذي أوقف البرنامج النووي الإيراني دون إطلاق رصاصة أمريكية واحدة، هي صورة تخلده في التاريخ أقوى من أي اتفاق إبراهيمي.
لذلك، فإن جدية ترامب في التفاوض لم تعد محل شك. هو يحتاج إلى إنجاز سريع ونظيف، وإيران هي المفتاح. لكن طهران أغلقت الباب أمام أي فصل بين الملفات. رسالتها واضحة: لا حديث عن النووي ما دام نتنياهو يضرب في البقاع والضاحية، وما دامت نقاط الاحتلال الإسرائيلي قائمة في جنوب لبنان.
نتنياهو المتمرد: محاولة فاشلة لفصل الملفات
أمام هذا الشرط الإيراني، لجأ نتنياهو إلى تكتيكه القديم: التمرد والمماطلة ومحاولة فرض وقائع ميدانية. سمعنا في الأيام الأخيرة تصريحات صريحة من تل أبيب تحاول "فصل ملف لبنان" عن أي تفاوض إقليمي، وكأن جبهة الجنوب يمكن عزلها عن معادلة الردع الكبرى. هذه المحاولة تعكس إدراك نتنياهو للخطر المحدق به. فهو يعلم أن قبول الربط بين لبنان والنووي يعني تسليم إيران مفتاح قراره.
لكن التمرد هذه المرة مختلف. ففي السابق، كان نتنياهو يتمرد على إدارة أمريكية مترددة. أما اليوم فهو يتمرد على رئيس أمريكي يبحث عن إنجاز تاريخي بأي ثمن. وكل صاروخ يطلقه نتنياهو في الجنوب، وكل تهديد بالاغتيال، إنما يقرّب ترامب خطوة من قرار التضحية به.
واشنطن أمام الخيار الصعب: كبح الجناح حتى لو كلف الإنهاء السياسي
هنا يصل النقاش إلى خلاصته. هل يمكن لأمريكا أن تكون صادقة في كبح نتنياهو؟ الجواب نعم، والسبب ليس حباً بلبنان أو بالمقاومة، بل لأن مصالح ترامب أصبحت تتصادم مع طموحات نتنياهو.
أمريكا تمتلك أزراراً عدة قادرة على لجم إسرائيل دون إطلاق رصاصة واحدة. يكفي أن تؤخر شحنة ذخيرة ثقيلة، أو تمتنع عن استخدام الفيتو في مجلس الأمن ضد قرار يلزم إسرائيل بالانسحاب، أو يصدر مسؤول رفيع تصريحاً "قلقاً" من التصعيد. هذه الخطوات كفيلة بشل يد نتنياهو عسكرياً وسياسياً وإعلامياً، وتحويله إلى حاكم معزول يواجه شعبه الغاضب وجيشه بلا غطاء.
والأخطر من ذلك، أن إنهاء نتنياهو سياسياً أصبح خياراً مطروحاً على الطاولة الأمريكية. فالتاجر ترامب لا يعرف صداقة دائمة، بل يعرف "صفقة رابحة". وإذا وجد أن بيع نتنياهو هو ثمن الحصول على اتفاق نووي مع إيران يسميه العالم "إنجاز ترامب التاريخي"، فلن يتردد لحظة. سيترك حليفه القديم يواجه مصيره وحيداً، ويغسل يديه أمام الإعلام قائلاً: "أنا نصحته بالسلام، لكنه اختار الحرب".
لا جدوى من تفاوض الدولة: المفاتيح في حارة حريك لا في القصر الجمهوري
ووسط كل هذا الصراع الإقليمي، لا بد من التوقف عند سراب التفاوض الرسمي اللبناني. فقد دُعيت بيروت الرسمية مراراً وتكراراً للعودة عن هذا المسار الذي لن يقدم ولن يؤخر. فأي وفد يغادر من القصر الجمهوري أو السرايا الحكومية إلى باريس أو نيويورك حاملاً أوراقاً وشروطاً، سيعود بها كما هي، أو بتنازلات شكلية لا تسمن ولا تغني من جوع.
السبب ببساطة أن أبواب الحل الحقيقية ومفاتيح الميدان لم تعد في عهدة الدولة اللبنانية التقليدية. فالقرار الذي يلزم إسرائيل بالانسحاب، والردع الذي يمنعها من العودة، لا يصدران من قاعة مجلس الوزراء، بل من غرف العمليات في حارة حريك. هناك حيث تُرسم معادلات الردع، وهناك حيث يُكتب مصير النقاط المحتلة دماً لا حبراً.
كل تفاوض يفصل الدولة عن المقاومة هو تفاوض عبثي. فإسرائيل نفسها تعلم أن أي توقيع من بيروت بلا موافقة الميدان هو حبر على ورق، ومحاولة لشرعنة احتلال جديد. لذلك، فإن الدعوة المتكررة للدولة للانسحاب من هذا المسار ليست تقليلاً من شأنها، بل حماية لها من الوقوع في فخ التنازلات المجانية التي ستدفع ثمنها من سيادتها وهيبتها.
الخلاصة: الإنجاز أهم من الحليف
الواضح اليوم أن دونالد ترامب قد يبيع بنيامين نتنياهو في أي لحظة ويستبدله. فالحليف التاريخي لم يعد يساوي شيئاً أمام الإنجاز التاريخي. نتنياهو الذي كان أداة ترامب لتحقيق مشاريعه في المنطقة، بات اليوم عقبة في طريق تحقيق مشروع ترامب الشخصي.
نتنياهو يريد حرباً بلا سقف ليبقى في الحكم. وترامب يريد اتفاقاً بلا نتنياهو ليبقى في التاريخ. وفي هذه المعادلة، سيكون جنوب لبنان ودماء المقاومة ومفاتيح الحل في حارة حريك هي الميزان الذي يرجح كفة أحد الطرفين. وإذا استمر الإصرار الإيراني، وتصاعدت ضربات المقاومة لتؤكد قوتها، فإن النهاية المنطقية هي أن يجد نتنياهو نفسه وحيداً في الزاوية، مجبراً على الاختيار بين انسحاب مذل، أو تمرد يؤدي إلى نهايته السياسية على يد صديقه الأمريكي.