إبراهيم كنعان لـالنهار لا تشريع مالياً من دون ضمان الودائع... والتعافي يبدأ من استعادة الثقة لا شطب الحقوق منذ اندلاع
إبراهيم كنعان لـ"النهار": لا تشريع مالياً من دون ضمان الودائع... والتعافي يبدأ من استعادة الثقة لا شطب الحقوق
منذ اندلاع الأزمة المالية في لبنان، انقسمت مقاربات معالجة الخسائر بين اتجاهين متعارضين: الأول ينطلق من الواقع المالي القائم وما يفرضه من قيود قاسية على الدولة ومصرف لبنان والمصارف، فيما يتمسّك الثاني بمبدأ المحافظة على حقوق المودعين ورفض تحميلهم كلفة الانهيار. وبين هذين الاتجاهين، ومع اقتراب البحث في مشاريع القوانين الإصلاحية، ولا سيما قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، عادت التساؤلات حول مصير عشرات مليارات الدولارات المحتجزة في المصارف وإمكان استعادتها.
في هذا السياق، يرفع رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان سقف موقفه بالتأكيد أن "لا قانون يقر من دون ضمان إعادة أموال المودعين"، معتبراً أن جوهر أي خطة تعافٍ لا يكمن في توزيع الخسائر محاسبياً، بل في إعادة بناء الثقة التي فقدها اللبنانيون بالنظام المالي والدولة معاً.
وينطلق كنعان من مقاربة تعتبر أن "التعافي الاقتصادي لا يمكن اختزاله بأرقام الفجوة المالية أو بقدرة الدولة الحالية على السداد". فخطة التعافي هي "مسار يمتد على سنوات ويهدف إلى إصلاح أوضاع الدولة ومصرف لبنان والقطاع المصرفي بالتوازي، بما يسمح تدريجاً بإعادة الحقوق واستعادة الثقة وجذب الاستثمارات والتوظيفات المالية إلى الاقتصاد اللبناني".
هل ستشطب الودائع؟
ومن هذا المنطلق، يرفض أيّ مقاربة تقوم على شطب الودائع أو اعتبارها خسائر نهائية، لأن ذلك، برأيه، يقوّض إمكان النهوض الاقتصادي ويمنع استعادة الثقة بالنظام المصرفي. ويشدّد على ضرورة الفصل بين الأموال المشروعة والأموال المتأتية من جرائم الفساد، داعياً إلى "تفعيل القوانين المرتبطة باستعادة الأموال المنهوبة وتوجيه عائداتها إلى صندوق مخصّص للمساهمة في إعادة الودائع، إلى جانب الاستفادة من موارد أخرى تشمل موجودات الدولة واحتياطات مصرف لبنان وموجوداته وعائدات المصارف".
ويضع كنعان معالجة الأزمة في إطار المسؤولية المشتركة، خصوصاً بعد توصيف صندوق النقد الدولي للأزمة بأنها أزمة نظامية. فهذه المقاربة، وفق قراءته، تعني أن "كلفة المعالجة لا يمكن أن تقع على جهة واحدة، بل يجب أن تتوزع بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف. أمّا تحميل طرف واحد كامل الأعباء، فيؤدي إلى انهيار متسلسل يطال مختلف مكوّنات النظام المالي، ويقضي على فرص التعافي".
متى استرداد الودائع؟
وفي النقاش الدائر حول قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، يدعو إلى أن تتضمّن الخطة آليات واضحة لتوزيع المسؤوليات والأعباء بين الأطراف الثلاثة، بدلاً من نقل الخسائر إلى المودعين بصورة مباشرة أو مقنعة. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من اقتطاع الحقوق، بل من معالجة الأسباب التي أدّت إلى الانهيار وإعادة تكوين القدرات المالية للدولة والقطاع المصرفي".
وفي مواجهة الانتقادات التي تعتبر أن الحديث عن إعادة الودائع كاملة يفتقر إلى الواقعية المالية، يرد كنعان بأن "الواقعية لا تعني التسليم بشطب الأموال، بل وضع خطة منتجة ومتدرّجة لاستعادتها. فالخيار المطروح، وفق رأيه، ليس بين إعادة الودائع أو عدمها، بل بين خطة تؤدّي إلى استعادة الحقوق على مراحل وخطة أخرى تنتهي إلى تصفية الخسائر على حساب المودعين".
ولهذا يدعو إلى الانطلاق من تدقيق شامل في موجودات الدولة ومصرف لبنان والمصارف، وتحديد مصادر التمويل المتاحة، قبل وضع آلية لتوزيع الأعباء وترتيب الأولويات. وفي هذا الإطار، يرى أن من الطبيعي أن تبدأ أيّ عملية استرداد بصغار المودعين قبل الانتقال تدريجاً إلى الودائع الأكبر.
أما الإطار الزمني لاستعادة الأموال، فلا يربطه كنعان بتاريخ محدّد بقدر ما يربطه بتنفيذ مجموعة من الإجراءات الإصلاحية التي لم تبادر الحكومات المتعاقبة إلى اعتمادها منذ بداية الأزمة. وفي مقدّم هذه الإجراءات التدقيق الفعلي في موجودات الدولة والمصارف، وملاحقة الأموال الناتجة عن جرائم الفساد، وتطبيق قوانين الإثراء غير المشروع، إضافة إلى معالجة الدين المترتب على الدولة لمصرف لبنان، وهي مسألة أدرجت في النسخة الأخيرة من مشروع قانون الفجوة المالية من دون أن تتحوّل حتى الآن إلى مسار تنفيذي واضح.
وبذلك، يضع كنعان معركة الودائع في صلب النقاش حول مستقبل الإصلاح المالي في لبنان، معتبراً أن "التعافي الحقيقي لا يبدأ بإقفال دفاتر الخسائر، بل بإعادة الاعتبار للحقوق وإرساء خطة توازن بين متطلبات الإصلاح ومبدأ حماية أموال المودعين".
ان ما ينشر من اخبار ومقالات لا تعبر عن راي الموقع انما عن رأي كاتبها