❗خاص ❗️sadawilaya❗
حمزة العطار
بين تهديد ترامب بإعادة إيران إلى العصر الحجري، وبين سماح طهران لناقلة قطرية بعبور مضيق هرمز، تترنح المنطقة على حبل مشدود. ليس سلاماً ما نراه، وليست حرباً شاملة بعد. إنه صراع إرادات بين رئيس أمريكي يبحث عن صورة نصر انتخابي، ونظام إيراني يقاتل للحفاظ على هيبة لم يبقَ له سواها. الحصار البحري الذي يبدأ غداً ليس نهاية اللعبة، بل بدايتها. والسؤال لم يعد: هل سترد إيران؟ بل: كيف سترد بحيث لا تعطي خصمها ما يريد، ولا تخسر ما تبقى لها؟
أولاً: قراءة في مشهد الـ 48 ساعة الماضية
ما حدث منذ يوم الأمس ليس "مناوشات خفيفة" كما وصفه البيت الأبيض. هو أخطر اختبار لوقف إطلاق النار الهش المستمر منذ شهرين. عسكرياً، أمريكا ضربت سفينتين إيرانيتين وقصفت أراضي إيرانية. إيران ردت باستهداف 3 مدمرات أمريكية بصواريخ ومسيرات وزوارق صغيرة. ثم أعلن الطرفان "عودة الوضع لطبيعته". اقتصادياً، أعلن ترامب بدء "حصار بحري" شامل على موانئ إيران اعتباراً من الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش يوم الاثنين، أي منع أي سفينة من الدخول أو الخروج. بالمقابل، سمحت إيران لأول ناقلة غاز قطرية بعبور هرمز "كبادرة ثقة" مع الوسطاء. دبلوماسياً، وزير الخارجية الأمريكي روبيو اجتمع مع رئيس وزراء قطر في ميامي، وطهران قدمت مقترحاً جديداً رفضه ترامب علناً قائلاً: "يطلبون أشياء لا يمكنني الموافقة عليها". نحن إذاً أمام تصعيد مُعلن يتزامن مع تفاوض من وراء الكواليس. وهذه هي أخطر أنواع الأزمات.
ثانياً: حسابات طهران... لماذا "ترامب عم يتسلى"؟
من يتابع التصريحات الإيرانية يدرك أن القيادة في طهران بنت موقفها على ثلاثة اعتبارات أساسية. الأول هو أن مضيق هرمز ورقة ضغط وليس أداة انتحار. إيران تدرك أن إغلاق المضيق كاملاً يعني حرباً عالمية عليها، فـ20% من نفط العالم يمر منه والصين أول المتضررين. لذلك هي تستخدمه كـ"صنبور" تفتحه وتغلقه. السماح للناقلة القطرية بالعبور هو رسالة واضحة: "المفتاح معنا، ونحن من نقرر". الاعتبار الثاني هو قناعة المؤسسة الإيرانية بأن ترامب تاجر لا جنرال. هدفه صورة نصر قبل الانتخابات، لا فاتورة حرب تريليونية. تصريح نائب رئيس التفتيش العسكري الإيراني كان واضحاً: "الولايات المتحدة لا تلتزم بأي وعود أو اتفاقيات". لذا، إيران لن تمنحه نصراً مجانياً. أما الاعتبار الثالث فهو معضلة الداخل. أي تراجع يُفسَّر كضعف سيسقط هيبة النظام أمام شعبه والحرس الثوري. وأي تصعيد أعمى سينهي الاقتصاد المنهك أصلاً. الحل من وجهة نظرهم هو "الرد المحسوب" الذي يحفظ ماء الوجه دون إشعال المنطقة.
ثالثاً: ثلاثة سيناريوهات للـ 72 ساعة القادمة
مع بدء الحصار الأمريكي غداً، وانتهاء "مهلة ترامب"، نقترب من لحظة الحقيقة. هذه هي السيناريوهات المرجحة: السيناريو الأول هو صفقة اللحظة الأخيرة، ونسبته حوالي 45%. في هذه الحالة تنجح الوساطة القطرية-الباكستانية. إيران تفتح هرمز كاملاً وتفرج عن أي محتجزين، وأمريكا تعلّق الحصار 60 يوماً وتؤجل الملف النووي. الرد الإيراني المتوقع هنا هو القبول بـ"نصف انتصار" وبيعه داخلياً كـ"صمود أجبر العدو على التراجع". السيناريو الثاني هو حرب استنزاف محدودة، ونسبته تقارب 40%. يبدأ هذا السيناريو عندما تبدأ أمريكا بتطبيق الحصار وتضرب سفينة إيرانية تحاول كسره. إيران سترد بضرب رادار أو قاعدة فارغة في الخليج بعد إخلائها. سيكون الرد الإيراني "سنّ بسن" ومحسوب بدقة، والهدف منه جرّ أمريكا لطاولة المفاوضات دون إعطائها مبرراً لضربة كبرى. أما السيناريو الثالث فهو الانزلاق لحرب شاملة، ونسبته 15%. يحدث هذا إذا أخطأ أحد الطرفين في الحساب. مثلاً أن تضرب أمريكا منشأة نووية، أو أن تقتل إيران جنوداً أمريكيين. هنا سيكون الرد الإيراني واسعاً على قواعد أمريكا في قطر والإمارات والعراق، مع إغلاق كامل لهرمز ودخول حلفاء إيران على الخط.
رابعاً: ماذا نرجح؟
السيناريو الأول والثاني هما الأقرب، بنسبة 85% معاً. والسبب بسيط: لا ترامب ولا السيد مجتبى خامنئي يريدان حرباً شاملة الآن. ترامب يعلم أن صور النعوش الأمريكية ستقتله في الانتخابات، وإيران تعلم أن بنيتها التحتية ستُمحى في "العصر الحجري" الذي يهدد به ترامب. لكن نسبة الـ 15% المتبقية خطيرة جداً لأننا في مرحلة "حافة الهاوية"، حيث خطأ واحد من قبطان مدمرة أو ضابط دفاع جوي قد يشعل كل شيء. العامل الحاسم في الساعات القادمة ليس الصواريخ، بل النفط. إذا قفز سعر البرميل فوق 130 دولاراً، أوروبا والصين ستضغطان على واشنطن لوقف التصعيد فوراً. وإذا بقيت إيران تسمح بمرور ناقلات "الدول الصديقة"، فهي ترسل إشارة بأنها تريد الحل. الخلاصة: نحن لسنا أمام سؤال "هل ستقع الحرب؟" بل أمام سؤال "أي نوع من التسوية سينتجها هذا التصعيد؟". الطرفان يتصارعان اليوم لتحديد شروط الجلوس على الطاولة غداً. الحصار الذي يبدأ غداً هو آخر ورقة ضغط قبل توقيع قد يكون حبره من نفط، أو من دم.