الاخبار: ريم هاني الخميس 11 حزيران 2026
دخلت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، بداية الأسبوع الجاري، يومها المئة، بعدما تبادلت واشنطن وتل أبيب النار مع طهران وحلفائها في المنطقة لـ39 يوماً - في المدة الممتدّة من 28 شباط إلى 7 نيسان -، ثمّ بدأت - منذ 7 حزيران - 61 يوماً من «السلام النسبي»، من دون توقّف كامل لإطلاق النار، وهو ما أدى إلى استمرار التكاليف المحلّية والعالمية للصراع. وبدءاً من أواخر الأسبوع الجاري، وتحديداً الأحد، كان الحصار البحري الأميركي على الموانئ الإيرانية قد دخل يومه الـ56، بالتزامن مع الحصار الذي يفرضه «الحرس الثوري الإيراني» على مضيق هرمز.
وطبقاً لتقرير نشرته مجلة «نيوزويك» الأميركية، تشير التقديرات إلى أن ما يزيد على مليار برميل من النفط داخل الخليج لا يزال محتجزاً، بمعدّل نحو 14 مليون برميل يومياً، وهو ما وصفته «وكالة الطاقة الدولية» بأنه «أكبر تحدٍّ للطاقة العالمية على الإطلاق». ودفعت أزمة الطاقة ما لا يقلّ عن 55 حكومة حول العالم إلى اتخاذ تدابير استثنائية لمواجهة ارتفاع الأسعار، بينما قدّمت 91 دولة دعماً مباشراً للمستهلكين، وبدأت 24 أخرى تغييرات هيكلية طويلة الأمد في أنظمتها الطاقوية.
أمّا الخطر الأبرز، طبقاً لمراقبين غربيين، فيرتبط بالموارد العسكرية الأميركية التي استُهلكت خلال الحرب. وبحسب التقرير نفسه، أطلقت الولايات المتحدة أكثر من ألف صاروخ «توماهوك»، في ما يمثّل أكبر استخدام لهذا السلاح في تاريخ العمليات العسكرية الأميركية. ويقدر خبراء أن واشنطن استهلكت نحو 30 بالمئة من مخزونها من الصواريخ المذكورة، وهو ما تحتاج، على الأرجح، إلى أربع سنوات لتعويضه.
بالتوازي، ارتفعت التقديرات الرسمية المباشرة لكلفة الحرب - التي امتدّت تبعاتها العسكرية والأمنية إلى 16 دولة وإقليماً - إلى 29 مليار دولار بحلول أيار، فيما يتوقّع خبراء المالية العامّة أن تتجاوز الكلفة النهائية التريليون دولار عند احتساب إعادة التسلّح، وإصلاح القواعد العسكرية، ورعاية المحاربين القدامى، والنفقات المستقبلية المرتبطة بالصراع. ولدى تطرقّهم إلى مأزق التسلّح تحديداً، غالباً ما يضع المحللون نصب أعينهم مواجهة أصعب قد تضطر الولايات المتّحدة إلى خوضها بعيداً عن الشرق الأوسط، وتحديداً في المحيط الهادئ.
وفي هذا الإطار، يرد في تقرير نشرته مجلة «فورين بوليسي»، أن «هناك مقولة شائعة في وزارة الدفاع مفادها أن كلّ خطّة حرب أميركية تشكل تهديداً وجودياً لجميع خطط الحرب الأخرى. وصراع الاستنزاف في الشرق الأوسط قد يجعل من الصعب على واشنطن ردع معركة أكثر تدميراً في غرب المحيط الهادئ، ويؤدي إلى مدة خطيرة يكافح فيها الجيش الأميركي المنهك للاستجابة للمخاطر العالمية المتصاعدة».
وإذ يمكن للكوارث، في بعض الأحيان، أن تحمل في طياتها جوانب إيجابية، من مثل أن تحفّز هذه الأزمة شعوراً أكبر ومستداماً بالضرورة الملحّة لسد الفجوة بين «التزامات البنتاغون المتشعّبة وقدراته المحدودة للغاية»، ويكون لها، بالتالي، أثر استراتيجي مفيد، إلا أن المدة المقبلة تحمل في طيّاتها تهديدات كثيرة؛ فالعالم يزداد عنفاً وفوضى، فيما جعلت «حرب ترامب»، «العبء المزمن» المفروض على واشنطن، أكثر حدّة.
أنهك الصراع الأخير بشدّة جيشاً يحاول بذل الكثير من الجهد، بقليل من الإمكانات، منذ مدة طويلة جداً
على أن ما تقدّم لا يعني بالضرورة أن الرئيس الحالي، دونالد ترامب، هو من خلق مشكلة الإنهاك العسكري والاستراتيجي لبلاده، بل إن هذه المشكلة كانت تتراكم طوال رئاسات متعدّدة؛ إذ إن البلد الذي ظلّ لوقت طويل يهيمن على خصومه، بات يواجه الآن تحدّيات من قوى عظمى أخرى «ودول مارقة غاضبة، وجماعات تتّسم بالعناد والمثابرة». وتَبرز، بالإضافة إلى كلّ تلك المخاطر، حرب باردة جديدة، مقترنة بخطر اندلاع حرب ساخنة كارثية، ضدّ «صين تتسلّح بلا هوادة».
في المقابل، تظلّ ميزانيات الدفاع الأميركية منخفضة بالمعايير التاريخية. كما أن الإنهاك الناجم عن الحروب الطويلة في العراق وأفغانستان زاد السياسات المتعلّقة بالدفاع صعوبة، مما أنتج فجوة متنامية بين التزامات واشنطن العالمية ومواردها العسكرية، حاولت إدارات متعاقبة علاجها، إنما من دون جدوى.
ويأتي ذلك رغم أنه غالباً ما تتعهّد الإدارات الأميركية بتوجيه مواردها المحدودة نحو أولويات استراتيجية واضحة، قبل أن تدفعها الأزمات الدولية المتكرّرة، من مثل الحرب الأوكرانية، إلى التدخل في مناطق وصراعات كانت تسعى إلى تجنّبها. وفي حين جاءت الولاية الثانية لترامب بتعهّدات باتّباع سياسة خارجية أكثر انضباطاً، إلا أنها سرعان ما شهدت تدخلات عسكرية واسعة في عدّة مناطق من بينها اليمن وإيران، وعمليات لـ«مكافحة الإرهاب» في أفريقيا، بالإضافة إلى تحركات عسكرية كبيرة في فنزويلا.
وفي ما يتعلّق بالحرب على إيران تحديداً، وإلى جانب صواريخ «توماهوك»، يقدّر «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» أن القوات الأميركية استخدمت نحو ربع مخزون صواريخ «JASSM»، وكميات أخرى من الأسلحة الدقيقة البعيدة المدى. كذلك، تطلّبت حماية القوات الأميركية وحلفائها في المنطقة من هجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية، استخدام أعداد كبيرة من أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي المتطوّرة، بما فيها نسبة كبيرة من صواريخ «SM-3» الاعتراضية، ومعظم صواريخ «ثاد»، ونحو نصف مخزون صواريخ «باتريوت».
وبحسب «فورين أفيرز»، لم تُفلح التقنيات الحديثة في التخفيف من حدّة المشكلة، علماً أن الولايات المتحدة وإسرائيل سرّعتا، خلال الحرب، بشكل كبير، من استخدام الذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف العسكرية وضربها. وخلال واحدة من أكثر الحملات الجوية كثافة في التاريخ الحديث، استُخدمت نحو 5 آلاف و200 ذخيرة خلال أول 96 ساعة فقط من القتال، وهو ما دفع بمايكل براون، المدير السابق لوحدة الابتكار الدفاعي في «البنتاغون»، إلى وصف الحملة على إيران بأنها «أول حرب للذكاء الاصطناعي».
على أن الإنجازات العسكرية المشار إليها لم تؤدِّ إلى إسقاط النظام الإيراني أو إنهاء قدرته على الردّ، مما جعل النتائج الاستراتيجية للحرب غير واضحة. وبالتوازي، يؤدّي التوسع العسكري الصيني الطويل الأمد - الذي يشمل نمواً سريعاً في الترسانة النووية، قد يمنح بكين نفوذاً أكبر في الأزمات المستقبلية - إلى إعادة تشكيل موازين القوة في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ، مما يجعل الدفاع عن تايوان أصعب، ويحدّ من القدرة الأميركية على التدخل. والمشكلة تلك ليست جديدة تماماً؛ ففي عام 2022، حذر خبراء من أن الولايات المتحدة ستدخل «منطقة الخطر» في أواخر عشرينيات القرن الحادي والعشرين، وهي النقطة ذاتها التي سوف ينضج عندها الحشد العسكري الصيني. على أنه الآن، ومع تسبّب الحرب الإيرانية بخفض المخزونات الأميركية إلى مستويات أقلّ من «القصور»، ونظراً إلى السنوات العديدة التي قد يستغرقها تجديدها، فمن المرجّح أن تصبح «منطقة الخطر» المشار إليها «أوسع وأكثر خطورة».

