الاخبار: زينب حمادة الخميس 11 حزيران 2026
في العلاقة ما بين إيران وحزب الله، ثمّة ما يصعب لحسابات المصلحة وحدها تفسيره. فبعد ردّ إيران على الاستهداف الإسرائيلي للضاحية الجنوبية لبيروت، وبعد إدراجها وقف الحرب على لبنان في بنود اتفاقها مع الولايات المتحدة، انكشفت بينهما علاقة استثنائية لا يمكن اختازلها بمفاهيم الوكالة التقليدية.
يذكر محمد جواد لاريجاني، مؤسس مركز الدراسات الاستراتيجية التابع لوزارة الخارجية الإيرانية، في آخر لقاءٍ له مع كاسترو في ١٩٨٩ بأنّه قال له: «سيأتي غورباتشوف في الأسبوع القادم إلى هافانا وسأقول له بصراحة: ما الذي جلبته لنا الـPerestroika التي أتيت بها؟ كان يجب أن تضمن أمننا خلال مفاوضاتك في واشنطن!»
هكذا ترجو الدّول المرتبطة بدول كبرى بروابط أيديولوجية مثل هذه الأمور، لكن قلّما تخاطر الأخيرة بمصالحها من أجل دولٍ يراها الآخرون تابعة لها.
أدان لبنان الرسمي تحويل أرضه الى ساحة «لحروب الآخرين»، متجاهلا التاريخ وخطط العدو التوسعية المعلنة وكون الصّراع لبنانيًا منذ عقود، ورفض أن تتفاوض إيران باسمه. قد يختلف اللبنانيون في مواقفهم تجاه إيران، لكنّهم لا يملكون ترف رفض مساعيها لتحصين لبنان في تسوياتها، في حين أن قوى الهيمنة لا تبدي أي نية للتوقف عن قتل وتهجير شعوب منطقتنا.
العلاقة اللبنانية الإيرانية
أثناء الحرب الأميركية على إيران ولبنان، تتكرر عبارات جريئة تختزل دينامية العلاقة بين كلّ من لبنان وإيران، وتوصّف سلوك الطرفين بسطحية. على سبيل المثال، يقال: «لبنان يثأر للخامنئي، إيران تتدخل في شؤون لبنان، إيران أوقفت الحرب على لبنان، حزب الله خطّ الدفاع الأول عن إيران، إيران تخوض حربًا بالوكالة في لبنان... ».
توجب هذه العبارات، بالإضافة إلى الأحداث التي حفّزتها، طرح أسئلة كثيرة، من جملتها السؤال حول طبيعة العلاقة بين البلدين، أو بالأحرى بين إيران وحزب الله اللبناني، وحول من يمسك بقرار الحرب والسلم.
العلاقة من وجهة نظر إيران وحزب الله
أكّدت الجمهورية الإسلامية في مواقع عديدة دعمها المادي والمعنوي العلني والصريح لحزب الله، ولطالما أعلنت جهوزيتها بل وسعت لدعم كامل الدولة اللبنانية. إلا أنّ هذه المبادرات دائماً ما تقابل بالرفض. إيران تقول بأن دعمها للبنان، وغيره من حركات التحرّر في العالم، غير مشروط بأي مقابل نفعي او مكاسب سياسية أو اقتصادية او غيرها، بل تطرح نفسها راعيًا لهذه الحركات ونموذجًا للثورات تحتذي به الشعوب بكامل إرادتها، إنّما من دون المسّ بسيادة الأوطان.
أما من جهة حزب الله، فبالرغم من تصريحه باتّباع ولاية الفقيه واعتباره نفسه جزءا معنويًا من الجمهورية الاسلامية في إيران في رسالته المفتوحة، إلّا أنه لطالما ذكّر بعدم تدخل إيران بأيٍّ من قراراته، وأوضح مرارًا دور «الراعي» الذي تقوم به إيران، وطمأن اللبنانيين بأن أي تصديرٍ للثورة الاسلامية لن يتم الّا بملء إرادة الشعب اللبناني بأكمله.
فاكتفى بدعوة اللبنانيين، ولم يتعدّ يوما على كيان الدولة والمكونات اللبنانية لهذه الغاية. وقد وكّل الولي الفقيه السيد علي الخامنئي الشهيد السيد حسن نصرالله بقيادة القوات العسكرية لمحور المقاومة وقرارها، وسلّمه العديد من الملفات، جاعلًا حزب الله شريكًا متقدمًا لإيران، بعد أن اتُّهم بكونه وكيلها الذي زرعته مجاورًا للكيان الصهيوني، وكأنّ اختلاق هذا الكيان ليس بالسّبب الكافي لانطلاق حركات المقاومة الوطنية بشكلٍ عضوي!
تحليل العلاقة
ما سبق لا يكفي للإجابة على سؤال «هل تحمي إيران لبنان، أم أنه يحميها؟»، بل يتوجب تحليل سلوكهما في التاريخ، وفي السياق الحالي من الأحداث انطلاقا من الأصول النّظرية الموضوعة والمعتمدة لدى إيران، وأبرزها الاستراتيجية القومية الإيرانية التي طرحها الدكتور محمد جواد لاريجاني عام ١٩٨٤.
أكّدت الجمهورية الإسلامية في مواقع عديدة دعمها المادي والمعنوي العلني والصريح لحزب الله ولطالما أعلنت جهوزيتها بل وسعت لدعم كامل الدولة اللبنانية
شغل لاريجاني منذ انتصار الثورة عدة أدوار إدارية واستشارية ودبلوماسية في جسم الدولة، فهو كان عضواً في مجلس الشورى الإسلامي، ومعاونًا لوزير الخارجية، ومستشارًا لقائد الثورة في الشؤون الخارجية. كما أسس لاريجاني مركز الدراسات الاستراتيجية التابع لوزارة الخارجية، وهناك أصدر عدّة أبحاث جُمعت تحت عنوان الاستراتيجية القومية أو مبدأ «أم القرى»، الذي جاء كطرحٍ معاكس بوجه «صيغة الحكومة العملية في الإسلام».
طُرحت «صيغة الحكومة العملية في الإسلام» لتحديد دور إيران ونطاق حركتها في المنطقة والعالم. وتعتمد هذه النظرية المبدأ الأرسطي لمحورية بناء الدولة (Polis) والعمل السياسي الذي يصب في بنائها حصراً. وبحسبها تعتبر إيران نفسها إسلامية لأنها قائمة على حكم ولاية الفقيه وأحكام الشريعة، لكنها ترضخ لواقع التقسيم الجغرافي لدول العالم والعالم الإسلامي وترفض الانخراط في الصراعات والمشاريع خارج حدود إيران لحفظ الدولة وعدم إزهاق الأنفس وتدمير الإمكانيات.
تضع هذه الصيغة الأولوية لتنمية إيران، وتسمح بالتنمية في الخارج فقط بما يخدمها في الداخل، مما يُعدّ أفضل عمل للدعوة للإسلام، كما وتدعو إلى المناداة بالحق كوسيلة دعم وحيدة للمظلومين.
انتقد لاريجاني هذه النظرية واعتبرها نفعية بامتياز، بل غير إسلامية، حيث إنّ معيار إسلامية الحكومة والمجتمع والفرد بنظره هو الارتباط بمجموع المسلمين والاهتمام بقضاياهم، كما ويتعذّر لإيران وللولي الفقيه التصدي لقيادة المسلمين في مسار انعزالي كهذا. وبالرغم من كون معيار صحة أو سقم النظرية هو قربها من الواقع، إلّا أن لاريجاني قد اعتبر بأن المبدأ السياسي (doctrine) يُقيّم من خلال حقّانية الغايات المرتبطة بالرؤية الكونية للدولة، أما النظريات الموضوعة لتنفيذ المبادئ السياسية فهي التي تُقيَّم على أساس إمكانية تطبيقها وفعاليتها.
لذلك تستطيع إيران أن توظّف البُعد المعنوي من فلسفتها السياسية لجعل المبدأ السياسي قابل للبرهان في العقل السياسي الديني وليس المادي فقط. هكذا يصبح بالإمكان وضع مبدأ سياسي يلزم إيران من باب المسؤولية الدينية والمبدئية بدعم بلدان خارج حدودها، حتى لو لم يعد من هذا الدعم أي منفعة مباشرة لها.
نظرية «أم القرى»
يعدّ القائد الأوّل للثورة روح الله الخميني أبرز من ولّف في الفلسفة السياسية بين العمل بالمسؤولية السياسية بمعزل عن النتائج، والسعي غير المنفكّ نحو بناء الدولة وصونها تزامنًا، لذلك واستنادا لهذه الفلسفة قدّم لاريجاني نظرية «الحكومة الإسلامية على أساس المسؤولية» أو «مبدأ أمّ القرى» كاستراتيجية قومية لإيران لتكون الإطار الذي يحدد أولويات الدولة الاستراتيجية ويعبّئ الإمكانيات لتحقيقها.
تقوم النظرية على ثلاثة ركائز أساسية: مسؤولية إيران في العالم الإسلامي من موقع أمّ القرى، حفظ أمن إيران القومي باستراتيجية سمّاها الدفاع الفعّال، وإعمار إيران وتنميتها.
يعرّف لاريجاني أم القرى بأنها الدولة التي لديها قيادة لائقة لقيادة كل الأمة الاسلامية، أي كل المسلمين. فإذا أصبحت إحدى الدول في بلاد المسلمين دارًا للإسلام بالشكل الذي يكون انتصارها انتصارًا لجميع المسلمين أو اندحارها اندحارًا لهم، تكون قد حصلت على مسمّى أم القرى.
يعدّ القائد الأوّل للثورة روح الله الخميني أبرز من ولّف في الفلسفة السياسية بين العمل بالمسؤولية السياسية بمعزل عن النتائج
في الأصل أم القرى هي مكة المكرّمة، وهي من دون نزاع المركز الديني للأمة الاسلامية، لكنّ مملكة آل سعود قد جعلتها أسيرة التحالفات مع القوى الغربية لعقود، وهي لا تفعّل الاسلام السياسي الا لخدمة المشاريع الغربية ومصالح العائلة الحاكمة.
وبمعنى آخر، وبسبب التطورات والتغيّرات في الدول الإسلامية، وفي ظلّ غياب سيادة القرار عن البلدان المسلمة وارتهانها لهيمنة الأقطاب العالمية، يقع مسمّى أمّ القرى بشكل تلقائي على ايران، لتصبح النواة السياسية للعالم الاسلامي التي ترفض التبعية للشرق والغرب على حدٍّ سواء.
الركائر النظرية لـ«أم القرى»
الركيزة الأولى
تُعنى الركيزة الأولى بتنظيم علاقة الجمهورية الإسلامية بسائر بلدان العالم، فإلى جانب تصديرها نموذجها الثوري إلى البلدان المجاورة، تتولّى إيران من باب المسؤولية الشرعية الاهتمام بقضايا المسلمين في العالم، وخصوصا المستضعفين منهم، من خلال إنشاء المشاريع التنموية والمؤسسات الثقافية والشبكات الدينية عبر سفاراتها في الدول.
لا يقتصر الدعم على هذا، بل يشمل أيضا الدفاع عن المظلومين ودعم نضالهم، الأمر الذي أُقِرّ عليه في الدستور الإيراني، من خلال الدعم المادي والعسكري لحركات المقاومة ضد الهيمنة الغربية والإسرائيلية. واجه هذا الدعم بعض التيارات المعارضة داخل الدولة التي استنكرت البذل السّخي في الخارج، خصوصا بعد الحصار والعقوبات الشديدة التي تعرضت لها إيران، وطُرح شعار «إيران أوّلاً» للحد من دعمها لحركات المقاومة.
لكنّ هذا لم يمنع الجمهورية والحرس الثوري الإيراني من تأدية الواجب الديني بالدرجة الأولى، والتفكير بالمنفعة الاستراتيجية لهذا الدعم أيضا، حتى خلال فترات حكم الإصلاحيين. بهذا، يُقدّم مبدأ أمّ القرى مصالح الأمّة دائما الّا في حال ان يُمسّ جوهر أم القرى وأمنها ونظامها، حينها يتوجب على كل الأمّة داخل وخارج الدولة حفظها والدفاع عنها، فبذلك تربط إيران نظريًّا علاقة دفاع جدلية بحركات المقاومة التي تدعمها، أكثر من كونها تبادلية بسبب الكلفة التي قد تترتّب على كلٍّ من الأطراف.
بالطبع حاول الكثير من المتوجّسين وخصوصًا العرب عرض هذه الاستراتيجية كمشروعٍ لإخضاع المجال العربي وربط الشيعة في العالم بالمركز الإيراني بنفس الطريقة التي عُرضت فيها مسألة ولاية الفقيه كمشروع شيعي توسعي. غير أن سلوك إيران العملي يُظهر أن معيار الارتباط فيها ليس الانتماء المذهبي بقدر ما هو التموضع ضمن مشروع الاستقلال عن الهيمنة الغربية والإسرائيلية. لذلك شمل الدعم الإيراني قوى وحركات غير شيعية، كالمنظمات الفلسطينية وأنصار الله في اليمن وبعض الفصائل العراقية، فيما حافظت أطراف شيعية عديدة على خصومة سياسية مع طهران.
إضافة إلى ذلك، ساهمت إيران منذ انتصار الثورة في الدعم والتنمية المتبادلة وغير المتبادلة في افريقيا خصوصا بلدان القرن الإفريقي، وآسيا الوسطى في أفغانستان وطاجيكستان، وأمريكا اللاتينية في كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا، بالرغم من عدم وجود آفاق قريبة لتحالفات عسكرية وسياسية مع بعض هذه البلدان. أمّا البلدان العربية والإسلامية، فكانت الأشد خنقًا لإيران امتثالًا لأوامر أمريكا وأوروبا بالحصار الدولي لها، ومع ذلك قوبلت دوما بحسن النية وحسن الجوار، فحالت إيران دون وقوع قطر في مجاعة عندما حاصرتها دول التعاون الخليجي، وبادرت مرارًا للتعاون مع جميع دول المنطقة ما عدا الكيان الصهيوني. حتى أثناء الحرب الحالية المفروضة عليها، لم تتعامل إيران مع الدول العربية معاملة المتواطئ والشريك في العدوان عليها مع الولايات المتحدة، بل أصرت أن تستهدف فقط القواعد والضباط الأمريكيين والإسرائيليين المتواجدين على أراضيها، بعد إنذار المواطنين بالابتعاد عن هذه الأهداف العسكرية.
الركيزة الثانية
الركيزة الثانية لنظرية أم القرى هي ما سمّاه لاريجاني الدفاع الفعال لحفظ أمن إيران على ثلاثة أصعدة:
الأمن الداخلي
السياسة الدفاعية
السياسة الخارجية
الهدف الأساسي لها هو إبعاد التهديدات التي قد تطال نظام الجمهورية مادّيًا أو حتى معنويًّا (كدستور البلاد أو الرأي العام الإيراني)، وتحويل التهديد المباشر الى غير مباشر ثم الى محتمل فبعيد المدى، وتهييء الردّ على التهديدات جميعها. من المسلّمات في الجمهورية الإسلامية أن المحامي الأول عن نظامها هو الحرس الثوري الإيراني، يتبعه الجيش، لكن هذه السياسة تولي أهميةً كبيرةً للدفاع الشعبي عن النظام، ومن الخطأ، بحسبها، تحويل القوات الثورية من شعبية إلى جيوش تقليدية، بل تُعتبر من الميزات التي يفتقر إليها العدو أنّ تُعَبّأ الجماهير في اللحظات الحساسة للدفاع عن بلدها، كما رأينا نزول الإيرانيين بالملايين إلى الشوارع تحت القصف الصاروخي ودفاعهم عن منشآت الطاقة باللحم الحي، ومسارعتهم في السفر الى جزيرة خارگ بعد تهديد الولايات المتحدة باجتياحها.
الشق الأهم في السياسة الدفاعية هو الردع الفعال غير المنفعل. والردع بشكله الأساسي هو التأثير في قرار العدو ومنعه من الاعتداء من خلال افهامه بأن هجومه أكثر كلفة من عدمه، ويكون ذلك بإظهار القدرة التدميرية للدولة وإبداء جدّيتها في تفعيل تلك القدرة عند اللزوم.
أمّا إذا حصل وقام العدو بالهجوم فيُستكمل الردع أو يرمّم بالتأثير على عمل العدو من خلال أمرين، الأول هو التجهيز المسبق، من التمويه وحماية الأهداف المحتملة داخل إيران، وقد رأينا الجهوزية العالية لإيران في هذه الحرب من ناحية حماية القدرة الصاروخية بشكلٍ أساسي (لا يمكن قول الشيء ذاته في ما يخص العامل البشري والأمني والدفاعات الجوية)، إذ استمر تصنيع الصواريخ خلال الحرب واستطاع الإيرانيون حماية المنصات والمخازن والمدن الصاروخية بشكل يحافظ على استمرارهم في الرد وتصعيده حتى ما قبل الهدنة.
الأمر الثاني هو الهجوم الانتقامي، إذ يجب وضع أهداف وخطط مسبقة للردود على الهجمات المحتملة، وليس من الضروري أن يكون الردّ بنفس طريقة الهجوم، بل يُفضّل بأن يكون معتمدًا على الهجمات الخاصة واسعة المدى التي تُحدِث تأثيرًا أكبر بحسب مواضع قوة إيران، كما ويجب تنفيذها بسرعة خلال فترة قصيرة من الهجوم الأول للجم العدو بأسرع وقت ممكن.
نعم، ربّما تأخرت إيران في الردّ على الإنتهاكات الإسرائيلية والأميركية التي طالتها لسنين تجنّبًا منها للانجرار نحو حرب بتوقيت العدو، التي كانت ستتزامن مؤكّدا مع إشعال كل مخططات الإطاحة بالنظام، من خلايا الموساد ومرتزقة الشغب، وستُحسم باغتيال القيادات والتدمير والمجازر. لكنّ سرعة الانتقام بانت في أول يوم من عدوانَي حزيران وشباط، حيث لم تتردد إيران في تنفيذ ضربات طالت كامل المنطقة لإثبات العزم أمام الخصوم.
هنا يُطرح السؤال التالي: هل يُعدّ انخراط الجمهورية الإسلامية في دعم قوى وحركات خارج أراضيها خروجًا عن مقتضيات الدفاع أم تدبيرًا منسجما معه؟
تبدو هذه المسألة للوهلة الأولى متناقضة مع أولوية حفظ أم القرى فوق حماية المسلمين، إذ قد تتعرّض الدولة لمخاطر وضغوطات إضافية إثر توجيه الموارد والجهود نحو ساحات خارجية قد تتوسع لتطال الجمهورية. لكنّ أي دولة لا تخضع أمام القوى المهيمنة تعلم جيّدا أن الأمن لا يبدأ عند الحدود ولا ينتهي عندها، لذلك يصبح التعامل مع الساحات الخارجية المرتبطة بمصادر التهديد جزءًا من عملية الدفاع نفسها، لا سياسة منفصلة عنها.
ومن هذا المنطلق أيضاً لا يمكن إنكار أن إيران حققت فوائد استراتيجية كبيرة نتيجة دعمها لقوى المقاومة الذي تطور ليشمل مستويات أعلى من التنسيق والتخطيط وتبادل القدرات في ظل وحدة الصراع، ليتبلور في ما عُرف لاحقا بمحور المقاومة. لقد وفّر المحور، وعلى رأسه حزب الله المجاور للمستعمرة الإسرائيلية، عمقا استراتيجيا واسعا لإيران، وعزّز قدرتها على الردع، وأتاح لها التأثير في موازين القوى الإقليمية بشكل يفوق قدراتها التقليدية.
ولعل ما يبرهن أهمية هذه الساحات بالنسبة لأمن إيران هو نظرة الخصوم لها كعقبة أمام التخلص من النظام الإيراني، فمنذ سنوات تتحدث مراكز الدراسات الغربية والإسرائيلية عن تفكيك الشبكة الإقليمية المرتبطة بإيران حلقةً تلو الأخرى تمهيدا لإضعاف المركز. وقد ثبتت فاعلية الردع الذي يوفّره المحور لإيران من خلال مسار العدو التراتبي في عدوانه على المنطقة بدءا بالساحة الفلسطينية مرورا بحرب أيلول على لبنان وسقوط سوريا والعدوان على اليمن وصولا الى الحربين المفروضتين على إيران في ٢٠٢٥ و٢٠٢٦.
في المقابل، حالت إيران في مواقف عديدة دون سقوط ساحات المحور أو إخضاعها، وقامت بدور أكبر من المعتاد عند الاستحقاقات في سوريا والعراق تحديدا في مواجهة الخطر التكفيري، وقدمت تضحيات كبيرة أثناء ذلك صونًا لهذه الدول وشعوبها من الأجندات التخريبية. مع هذا، تحافظ إيران بخلاف غيرها من الدول الراعية على سيادة حلفائها فتراعي حساباتهم الوطنية والظروف الخاصة بكل ساحة وأولوياتها. أمّا عن سقوط النظام السوري في ٢٠٢٤، فهو قد يكون أبرز مصداق لعدم تدخّل إيران في شؤون الشعوب من دون تفويض منها.
والأهمّ من ذلك كلّه هو أن قراءة هذه العلاقة غير مكتملة من دون الالتفات إلى المشروع الذي تواجهه، فعلاقة إيران بالمحور نشأت استجابةً لمصدر تهديد واحد هو امريكا، لا من فراغ. والتاريخ يظهر أن قاعدة أمريكا الأكبر في منطقتنا لا تتعامل مع جوارها كدول مستقلة، بل كمجال أمني يجب إعادة تشكيله والسيطرة عليه باستمرار ضمن مشروع توسعي إسرائيلي مُعلن. لذا قد يكون التّوصيف الأدق للعلاقة بين إيران والشعوب التي تدعمها بأنها علاقة حماية جدلية مبنية على الارتباط المبدئي مع تقاطع المصالح وتشابه الأهداف في ظل وحدة العدو، أكثر من كونها علاقة راعٍ مطلق بوكلاء منفّذين.
لبنان بنظر إيران
ضمن هذا الإطار، يكتسب لبنان مكانة خاصة، فحزب الله إضافةً إلى كونه أقدم جهة مدعومة من قبل الجمهورية الإسلامية، هو أيضا الساحة التي راكمت أكبر تجربة قتالية ضد الكيان الصهيوني، وفيه تشكّلَ أكبر تهديد مستمر للعمق الإسرائيلي. بعد اغتيال السيد حسن نصرالله، وما تبعه من حرب ٢٠٢٤، ظنّ الكثيرون بأن إيران قد التزمت الحياد عن الصراع لتتجنّب كلفته، وضحّت بحزب الله بعدم تدخّلها «لإسناده». لكن بعد الأحداث الأخيرة، اتّضح بأنّها لم تدخل المواجهة علمًا بقدرة حزب الله على تجاوز المرحلة لوحده، وشاركت في ترميمه وتسليحه رغم انقطاع السبل السابقة، لكنّها على الأرجح فضّلت أن تتجنب أية مواجهة مبكرة قد تستنزفها قبل الاستحقاق الأكبر. وقد يكون حزب الله هو من رفض انخراط إيران في المعركة.
في المقابل، لم يقم حزب الله بأي عملٍ عسكري للدفاع عن الجمهورية الإسلامية خلال حرب الإثني عشر يومًا، إما صوناً لاتفاق وقف إطلاق النار، أو بسبب انشغاله بإعادة الترميم، أو ببساطة لعدم وجود الحاجة.
(مروان بو حيدر)
(مروان بو حيدر)
أمّا في شباط ٢٠٢٦، وبعدما خرق حزب الله اتفاق وقف إطلاق النار لأوّل مرة ثأرًا للإمام الخامنئي (بعد أن خرقه الصهاينة أكثر من ١٠ آلاف مرة قبله) برزت دينامية جديدة بين إيران وحزب الله، تتجاوز الدعم السياسي والمادي والعسكري الروتيني، إذ أبدت الجهتان استعدادًا للتفريط بالصفقات من أجل بعضهما البعض، حين بادر حزب الله إلى استخدام حقّه بالردّ على الخروقات الإسرائيلية بالرغم من كل الضغوطات المحيطة به، ولاحقًا حين أصرّت إيران على شمل لبنان في اتفاق وقف إطلاق النار مع أمريكا.
ليست هذه علاقة مركز ووكيل، ولا هي حتى تحالف متساو، إنّما هي علاقة ارتباط معنوي عميق يقوم على وحدة الرؤية وتشابك المصير، ويتخطى حدود الحسابات والمصلحة. حين تعلّق إيران وقف العدوان عنها لضمان وقف الحرب على لبنان، فإن هذا عملٌ غير مسبوق، ولا يعدّ مجرّد فرصة لتفعيل النفوذ بتحقيق مكاسب متعلقة بساحات خارجية في اتفاقها.
لذا قد يكون السؤال المطروح في البداية «من يحمي من؟» ناقصًا بحدّ ذاته، فالعلاقة التي تصفها نظرية «أم القرى» والتي كرّستها عقودٌ من الصراع لا تقوم على حماية أحادية الاتجاه واحتماء طرف وراء الآخر، ولا يجدر بأحد المطالبة بهذه الحماية، اذ يحدد كل من الطرفين بنفسه توقيت تدخّله وقفًا لما هو على المحك إضافة إلى الظروف المحيطة به وجدوى التدخل.
أمّا النقطة الغائبة غالبا عن النقاش اللبناني فهي أن الصّراع صراعنا؛ فُرض علينا ولسنا من هُواته، ولا تدور الحروب فوق رؤوسنا بل في عقر دارنا وداخل حدودنا. وعلى من لا يعجبه من اللبنانيين الاصطفاف إلى جانب إيران أن يجد سريعا بديلًا يحمي الأرض والمستقبل والأرواح في بيئة إقليمية لا تعد إلا بالهلاك.
المصادر والمراجع
1. لاريجاني، محمد جواد. الاستراتيجية القومية: دراسات في معالمها وأهدافها. دار التعارف، 1995.
2. إلياس، فراس. "الجيوبوليتيك الشيعي والمخيلة الجيوستراتيجية الإيرانية: مجالات التأثير وبناء النفوذ. " لباب للدراسات الإستراتيجية"، العدد 4، 30 تشرين الثاني 2019، ص. 11–47. مركز الجزيرة للدراسات.
3. Seliktar, Ofira, and Farhad Rezaei. Iran, Revolution, and Proxy Wars. Springer, 2020.
4. نص دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية. سفارة جمهورية إيران الإسلامية في موريتانيا.