الاخبار: حسين الامين
الأربعاء 10-6-2026
لم يكن حمزة حمود (2001 - 2026)، ابن بلدة مركبا الحدودية، وابن حيّ بئر العبد في الضاحية الجنوبية لبيروت، مقاتلاً في المقاومة.
لم يكن حمزة حمود (2001 - 2026)، ابن بلدة مركبا الحدودية، وابن حيّ بئر العبد في الضاحية الجنوبية لبيروت، مقاتلاً في المقاومة. بل كان شاباً عادياً، ابن عائلة جنوبية عرفت الاحتلال جيداً منذ عام 1978 على الأقلّ، ونزحت إثر ذلك إلى الضاحية، حيث أنجب الوالد طفله حمزة. ومع أن حمزة لم يختبر الاحتلال بنفسه، إلا أنه خَبِر نقيضه: المقاومة وانتصاراتها، وما تفرضه من حالة عنفوان ورفض، تصبح، مع تراكم السنوات والتجارب، حالة عامة يعيشها مجتمع المقاومة. ويبدو أن حمزة لم يحتَج، في رحلته الأخيرة، سوى إلى الشعور الغامر بالغضب ورفض الاحتلال، ليمتشق سلاحه، مهما كان، وفي حالته لم يكن سوى مسدّس وسكين، ويخرج على درّاجته النارية من بئر العبد إلى أقصى الجنوب.
ويروي أصدقاء الشهيد أنه اتصل ببعض أصدقائه وأقاربه، قبل يومين، وهو في أقصى الجنوب، وعبّر عن غضبه من مشاهد الاحتلال وجرائمه، وعن قراره الانتقام، مدركاً تماماً أن آخر الطريق هو القتل. ويبدو أن طريق حمزة من بيروت إلى عمق المنطقة المحتلة لم يكن سهلاً، إذ احتاج إلى النوم في أحد الأودية على مقربة من قوات العدو، قبل أن يكمل طريقه إلى بلدته مركبا، التي يبدو أنه قرّر إلقاء التحية الأخيرة عليها وعلى شهدائها وبيوتها المدمّرة، قبل أن يعبر منها إلى الأراضي المحتلة، حيث واجه قوات العدو واشتبك معها، في مستوطنة حدودية، بسلاحه الفردي الخفيف، حتى استشهد.
وتفتح قصة حمزة حمود نافذة جديدة على شكل مقاومة الاحتلال في جنوب لبنان، إذ يدفع تعميق الاحتلال وطول أمده شبّاناً، لا ينتمون بالضرورة إلى حركات وتنظيمات مقاومة، إلى البحث عن طرق لمقاومة الاحتلال وطرده. وإذا كان حمزة، اليوم، وحده، فإن التجارب التاريخية القديمة والحديثة، المحلية والعالمية، تؤكد أن هذا النوع من المسارات يبدأ بحالة فردية، ثم ما يلبث أن يتوسّع ويكبر، ككرة الثلج التي كلما سارت ودارت كبرت وتراكمت. وبلا أدنى شكّ، حفّز فعل حمزة الشهيد، أمس، قلقاً إسرائيلياً كبيراً، سيتطلّب من العدو دراسات وتحقيقات، وإعادة تقييم لكثير من الجوانب العسكرية والأمنية.
إذ حطّم حمزة، الشاب المنفرد، غير المدرّب، ومن دون تجهيزات متطوّرة، أو دعم، أو حتى معرفة تفصيلية بالمنطقة الحدودية وجبالها وتلالها وأوديتها ومغاورها، سرديةً روّج لها جيش العدو ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو طوال عامين تقريباً، وتدور حولها كل دائرة الحرب اليوم، وهي «المنطقة الأمنية العازلة»، أو منطقة «الخط الأصفر» المزعوم، التي يُفترض أنها ستؤمّن لمستوطنات الشمال ومستوطنيها الأمن والأمان.
فإذا بحمزة، الفدائي الذي عبر، والاستشهادي الذي وصل، يلاقي جنود العدو في قلب موقع عسكري إسرائيلي داخل المستوطنة، وهم ملء الأرض هناك، وحمزة فرد، غير مبالٍ ولا مستوحش، وفي باله يمرّ شريط صور أصدقائه الشهداء، عشرات هم، وربما أكثر. وتمرّ صورة «الزاروبة» في بئر العبد، فيشعر حمزة بالشوق، ثم يدير وجهه إلى مركبا القريبة، بلدته المحتلّة، يلفحه هواؤها، فيخمد شوقه، ويهدأ قلبه، ويلقي خدّه على تراب فلسطين، ويغفو إلى الأبد، ويرسم بدمه الحارّ السائل طريقاً لفدائيين قادمين، لاستشهاديين سيصلون يوماً، سيعبرون.!
أرشـيــف / الــعــراب الــجــنــوبـي الـعـامــلـي
لــــنــدن الأربـــعــاء/ 10 / حــزيــــران/ 2026