❗خاص ❗️sadawilaya❗
حمزة العطار
مقدمة: طاولتان ولاعب واحد
منذ بدء النقاش حول "ترسيم الحدود البرية" بين لبنان وإسرائيل، تتصدر عناوين الصحف أخبار الوفد اللبناني المفاوض. لكن الحقيقة التي تتجنبها كل الأطراف هي: لا يوجد تفاوض لبناني-إسرائيلي أصلاً. هناك تفاوض أمريكي-إيراني تُستخدم فيه الجبهة اللبنانية كـ"ورقة نار" على الطاولة. وكلما احترقت الورقة، تقدمت المفاوضات بين واشنطن وطهران في مسقط أو الدوحة.
أولاً: التفاوض اللبناني-الإسرائيلي... مسرحية الضرورة
1. لبنان لا يفاوض بل "يقاوم بالسياسة": الدولة اللبنانية الرسمية مفلسة وعاجزة. من يملك قرار الحرب والسلم هو حزب الله. لذلك، أي اتفاق لا يمر عبر قيادة المقاومة هو حبر على ورق. وظيفة المفاوض اللبناني هي نقل رسائل المقاومة ببدلة رسمية.
2. إسرائيل لا تريد اتفاقاً، بل "تثبيت وقف إطلاق نار": نتنياهو يريد ثلاثة أشياء من التفاوض: إبعاد حزب الله عن الحدود، ضمان عدم بناء بنى تحتية جديدة، وشراء وقت لترميم جبهته الداخلية. هو يعرف أن أي اتفاق بدون موافقة إيرانية سيسقط بأول صاروخ.
3. الخلاصة: هذا ليس تفاوضاً على ترسيم، بل "إدارة اشتباك" تحت رعاية أمريكية. الهدف منع انفجار الجبهة اللبنانية ريثما تنضج الطبخة الكبرى مع إيران.
ثانياً: التفاوض الأمريكي-الإيراني... جوهر الصراع
بينما تضيع الوفود في الناقورة بتفاصيل النقطة B1، فإن التفاوض الحقيقي يدور على ثلاثة ملفات تمسك بها طهران:
1. الملف النووي: إيران اليوم على عتبة نووية. كل صاروخ يطلقه حزب الله هو رسالة: "نستطيع تحويل تل أبيب إلى رماد تقليدي، فتخيلوا لو كان نووياً". واشنطن تفاوض لتجميد البرنامج، وطهران تفاوض لشرعنة مكتسباته.
2. ملف العقوبات والنفوذ: رفع العقوبات مقابل تقليم أظافر المحور في المنطقة. لكن إيران تقلب المعادلة: "تريدون هدوءاً في البحر الأحمر ولبنان والعراق؟ ادفعوا الثمن برفع العقوبات والاعتراف بنفوذنا".
3. ملف "وحدة الساحات": هذا أهم ورقة إيرانية. واشنطن اكتشفت أنها لا تستطيع فصل الملفات. لا هدوء في غزة دون هدوء في الجنوب. ولا هدوء في الجنوب دون سعر يدفع لإيران. لذلك كل المفاوضات الإقليمية صارت تصب في قناة واحدة: طهران.
ثالثاً: كيف تُرسم النتيجة بـ"النار الإيرانية"؟
إيران لا تفاوض بالكلام، بل بـ"التهديد الموثوق". وهذا التهديد له ثلاثة مستويات:
1. النار المباشرة: 2000 صاروخ من حزب الله جاهزة. صاروخ "فتّاح" الفرط صوتي يصل ديمونا بـ 400 ثانية. غواصات حزب الله تهدد منصات الغاز. هذه ليست أوراق ضغط، بل بنك أهداف جاهز للتنفيذ.
2. النار بالوكالة: الحوثي يغلق باب المندب، المقاومة العراقية تضرب القواعد الأمريكية، سوريا تفتح جبهة الجولان. الرسالة: "تكلفة عدم التفاوض معنا هي حرب إقليمية لا تحتملها أمريكا ولا إسرائيل".
3. النار المؤجلة: "سلاح المجهول": قيادة المقاومة تكرر "ما خفي أعظم". هذا المجهول هو ما يجعل نتنياهو والإدارة الأمريكية يعيدون الحسابات ألف مرة قبل أي قرار. غباء من يختبر.
النتيجة: كل طلقة في الجنوب هي بند في الاتفاق الأمريكي-الإيراني.
عندما يصعّد حزب الله، تتحرك قنوات التفاوض الخلفية بين واشنطن وطهران، وآموس هوكشتاين يلعب دور الوسيط باعتباره مبعوث البيت الأبيض المباشر. عندما يضرب الحوثي، تراجع واشنطن شروطها على طاولة المفاوضات النووية. المعادلة باتت واضحة: الدم اللبناني والفلسطيني هو الحبر الذي تُكتب به بنود الاتفاق الأمريكي-الإيراني الشامل.
رابعاً: الخاتمة – من يفاوض من؟
1. لبنان وإسرائيل لا يملكان رفاهية القرار: بيروت لا تستطيع توقيع اتفاق لا يرضي طهران، وتل أبيب لا تستطيع شن حرب لا توافق عليها واشنطن.
2. واشنطن وطهران هما المتفاوضان الحقيقيان: الأولى تريد استقراراً بأقل كلفة، والثانية تريد رفع عقوبات واعترافاً بدورها الإقليمي.
3. العمل المقاوم المسلح هو "القلم": كل عملية، كل مسيرة، كل تهديد هو تعديل على مسودة الاتفاق. المقاومة لا ترفض التفاوض، بل تفرض شروطه بالنار.
الاستنتاج الأخير:
لا تبحث عن نتائج التفاوض اللبناني-الإسرائيلي في الناقورة. ابحث عنها في مخزون صواريخ حزب الله، وفي مدى صواريخ الحوثي، وفي حسابات الربح والخسارة في غرفة عمليات الحرس الثوري.
التفاوض الحقيقي لا يُدار بالبدلات الرسمية، بل يُرسم بالنار الإيرانية. ومن يملك النار، يملك الكلمة الأخيرة. لبنان مجرد "ساحة توقيع"، أما الموقعون الحقيقيون فهم في طهران وواشنطن .