
قامت عقيدة العدو على فكرة الحرب الخاطفة القادرة على إنتاج حسم سريع وواضح. وإسرائيل، تنظر إلى الحروب الطويلة باعتبارها تهديدًا استراتيجيًّا مُرهِقًا للدولة والمجتمع والاقتصاد. ولهذا سعت منذ تأسيسها إلى بناء تفوّق نوعي ينقل المعركة إلى أرض الخصم، ومنع أي حرب استنزاف مفتوحة.
بعد 7 أكتوبر 2023، انتقلت العقيدة العسكرية الإسرائيلية من منطق «الردع وإدارة المخاطر» إلى «منع تشكّل التهديد منذ بداياته». ويعني ذلك توسيع مفهوم الحرب الوقائية ليصبح إطارًا أمنيًّا دائمًا، لا يكتفي برصد الخطر أو باحتوائه، بل يسعى إلى استباقه واستهدافه في مراحله الأولى قبل أن يتحوّل إلى تهديد فعلي مكتمل.
يمكن فهم هذا التوجه بوصفه اقترابًا من ما يسميه عالم الاجتماع السياسي الإسرائيلي ياغيل ليفي بـ«عقيدة الأمن الدائم»، وهي مقاربة لا تقتصر على إزالة التهديدات القائمة، بل تمتد إلى محاولة منع تشكّل التهديدات المستقبلية عبر أدوات عسكرية واسعة التأثير، بما في ذلك استهداف البنى الحاضنة وإعادة تشكيل البيئة المدنية، مع تقليص هامش الحلول السياسية لصالح تثبيت الخيار العسكري كأداة إدارة مستمرة للصراع.
في أعقاب حرب «أولي البأس» في عام 2024، ساد اعتقاد في إسرائيل بأن حزب الله دخل مرحلة إنهاك استراتيجي عميق، بعد الضربات التي استهدفت بنيته القيادية وشبكاته العملياتية، إضافة إلى انكشاف استخباري أصاب أجزاء واسعة من منظومته الأمنية. كما اعتبرت تل أبيب أن المتغيّرات الإقليمية وخسارة سوريا كخط إمداد، ستُضعِف قدرة الحزب على إعادة ترميم قوته خلال فترة قصيرة.
لكنّ المواجهة الحالية أظهرت أن الحزب تعامل مع نتائج الحرب بوصفها تجربة صعبة فرضت إعادة تقييم شاملة وإعادة بناء للقدرات، لا باعتبارها لحظة انهيار استراتيجي. وهنا تتضح ملامح مرونة المقاومة في إدارة الصراع، خصوصاً أن معيار القوة في الحروب الحديثة لم يعد محصورًا بحجم الترسانة ومستوى التفوّق التقني، بل بات يرتبط أيضًا بقدرة الأطراف على التعلّم السريع والتكيّف المستمر مع المتغيّرات الميدانية وإعادة إنتاج أدوات الفعل العسكري.
في أعقاب حرب «أولي البأس» في عام 2024، ساد داخل إسرائيل اعتقاد بأن حزب الله دخل مرحلة إنهاك استراتيجي عميق
من هنا، تبدو التحوّلات التي اعتمدها حزب الله بعد عام 2024 مؤشرًا على أن الحزب راهن بصورة أساسية على تطوير ديناميات تكيّفه أكثر من رهانه على المواجهة التقليدية المباشرة. فقد أظهرت الحرب السابقة حجم الاختراق الاستخباري الذي أصاب شبكات الاتصالات الخاصة، الأمر الذي دفعه إلى إعادة هيكلة منظومات القيادة والاتصال، وتقليل الاعتماد على الوسائل ذات البصمة الإلكترونية المرتفعة، والتوسع في استخدام وسائل أكثر بساطة وأقل قابلية للرصد والتعقب.
وفي الوقت نفسه، توسّع الحزب في اعتماد أسلوب «الاستنزاف العملياتي المنظّم»، عبر تحويل الجغرافيا الجنوبية إلى بيئة قتالية معقّدة تقوم على الجيوب الصغيرة، والمناورة، والكمائن، وإرهاق القوات المتوغلة. فحروب العصابات تاريخيًّا لا تبحث عن معركة فاصلة بقدر ما تسعى إلى استنزاف الجيش النظامي تدريجيًّا، ودفعه إلى الانخراط داخل بيئة جغرافية تزداد فيها كلفة السيطرة الميدانية يومًا بعد يوم.
من هذا المنطلق يمكن قراءة التقدّم الإسرائيلي إلى ما بعد نهر الليطاني، ووصول القوات إلى مناطق مثل زوطر الشرقية ويحمر، ضمن سياق يتجاوز المفهوم التقليدي للحركة الميدانية الذي يعبّر عن تحقيق إنجازات تكتيكية، بل على العكس من ذلك، ففي نمط حروب الاستنزاف، يتحوّل التوغّل داخل العمق الجغرافي إلى عنصر جديد في معادلة إنهاك طويلة، إذ يجد الجيش المهاجِم نفسه أمام أعباء متزايدة تتعلق بتأمين خطوط الإمداد، وإحكام السيطرة على المناطق التي يدخلها، ومواجهة بيئة قتالية مفتوحة على الكمائن والهجمات المتفرقة، بما يرفع كلفة البقاء بقدر ما يرفع كلفة التقدّم.
وفي هذا النوع من الحروب، يتحوّل الزمن إلى عنصر حاسم في الصراع. فكلّما طال أمد المواجهة، ارتفعت الكلفة البشرية والسياسية والنفسية على الجيوش النظامية، خصوصًا داخل المجتمعات التي يصعب عليها تحمّل الحروب الطويلة والخسائر المستمرة.
كما أن التوسّع في استخدام المقاومة للمُسيّرات الانقضاضية، المنخفضة الكلفة، يعكس بدوره جانبًا مهمًّا من عملية التعلّم والتكيّف لدى المقاومة. فبدل الانخراط في سباق تسلح مكلف وغير متكافئ مع إسرائيل، اتجه الحزب إلى توظيف أدوات بسيطة نسبيًّا، لكنها قادرة على فرض إرباك دائم على منظومات دفاعية شديدة الكلفة والتعقيد. ويشير هذا التطور إلى حقيقة باتت أكثر رسوخًا في الحروب المعاصرة، مفادها أن قيمة السلاح لا تُقاس بحجمه أو بكلفته، ولا بما يثيره من انطباع القوة، بقدر ما تُقاس بما يحقّقه من أثر تراكمي في إنهاك الخصم، نفسيًّا وعملياتيًّا، وإرباك قدرته على الاستمرار في إدارة المواجهة.
وفي هذا السياق، يفرض منطق التكيّف المتسارع نفسه كعامل حاسم في إعادة إنتاج معادلة الردع، بحيث تتجه المقاومة إلى اعتماد تكتيكات قتالية من شأنها تحويل الوجود الإسرائيلي في الجنوب إلى عبء عملياتي دائم، تتآكل معه القدرة على تثبيت السيطرة وتتعاظم فيه كلفة البقاء بمرور الوقت، بما يعيد تشكيل ميزان الفعل العسكري على أساس الاستنزاف المتبادل بدل الحسم السريع، أمّا إسرائيل، فتواجه معضلة استراتيجية متزايدة كلما دخلت الحرب في مراحل الاحتكاك البري الطويل. فالتكنولوجيا تمنح قدرة هائلة على الرصد والتدمير، لكنها لا تضمن بصورة تلقائية التمكّن من السيطرة الدائمة على الأرض أو منع الخصم من إعادة تكوين نفسه داخل بيئته المحلية.
تبدو المواجهة الحالية في جنوب لبنان امتدادًا لذاكرة تاريخية طويلة تُعيد فيها الجغرافيا تعريف معنى القوة، ويُعيد فيها الزمن ترتيب نتائج الصراع. ويدرك جيش الاحتلال أن أرض الجنوب لا تخضع بقوة النار، بل سرعان ما يتحوّل وجوده العسكري إلى حالة معلّقة بين التوسع والإنهاك، بحيث يصبح البقاء نفسه اختبارًا يوميًّا للقدرة على الاحتمال. ومن ثم، فإن ما يجري اليوم في مسرح المواجهة لا يدفع باتجاه تثبيت معادلة استقرار جديدة بقدر ما يثير سؤال التاريخ ذاته:
هل يمكن للقوة أن تهزم المكان والزمان معًا، أم يمكن الجغرافيا أن تعيد فرض منطقها وتُعمِّق مأزق من يواجهها؟