❗خاص ❗️sadawilaya❗
حمزة العطار
لم يفهم العدو الإسرائيلي يوماً إلا لغة واحدة: لغة الألم والخسائر. في أيار 2000 لم ينسحب من جنوب لبنان بقرار سياسي شجاع من تل أبيب، بل بقرار فرضه عليه نزيف جنوده وجنرالاته الذين عادوا بالتوابيت من بنت جبيل وعيتا الشعب. واليوم، المقاومة تعيد إنتاج نفس الشروط، لكن بساحة نار أوسع ووجع أكبر.
أولاً: من قواعد الاشتباك إلى كسرها.. تصاعد محسوب لا يتراجع
المقاومة اليوم تجاوزت مرحلة "الرد على الاعتداء" إلى مرحلة "صناعة المعادلة". نحن أمام تصاعد كمي ونوعي وعملياتي مدروس، يراكم الإنجاز ويغيّر قواعد اللعبة:
1. التصاعد الكمي: لم تعد الرشقات تُعد بالعشرات. بنك الأهداف يتسع، ومخزون الصواريخ والمسيّرات الانقضاضية يسمح بضربات متواصلة تُرهق الجبهة الداخلية للعدو وتستنزف دفاعاته الجوية. كل يوم قصف هو يوم خسارة اقتصادية ومعنوية لإسرائيل.
2. التصاعد النوعي: دخلت أسلحة دقيقة إلى الميدان. لم تعد الحكاية "صواريخ كاتيوشا" عشوائية، بل صواريخ كورنيت تدك الدبابات، مسيّرات شاهد تخترق التحصينات، وصواريخ بركان وفلق تهدم المواقع. هذا النوع من السلاح يكسر نظرية "الجيش الذي لا يُقهر" ويضرب هيبة الردع الإسرائيلي.
3. التصاعد العملياتي والجغرافي: هنا بيت القصيد. بدأت المقاومة من استهداف الجنود والآليات داخل مزارع شبعا وتلال كفرشوبا. ثم انتقلت إلى ضرب قواعد وثكنات في الجليل الأعلى. واليوم، دخلت عكا ونهاريا وصفد على خط النار. والرسالة واضحة: حيفا وتل أبيب ليستا خارج الحساب. كل توسّع جغرافي هو مسمار جديد في نعش بقاء الاحتلال.
هذا التصاعد ليس انفعالاً. هو استراتيجية تراكمية هدفها رفع الكلفة حتى تصبح لا تُطاق.
ثانياً: الجبهة الداخلية تنزف.. إسرائيل تدفع الثمن
أخطر ما يواجهه العدو اليوم ليس في الميدان فقط، بل في عمقه. "أيار 2000" بنسخته الجديدة يضرب عصب الحياة الإسرائيلية مباشرة:
1. النزوح الجماعي: أكثر من 200 ألف مستوطن هُجّروا من الشمال. صفد، كريات شمونة، نهاريا، تحولت إلى مدن أشباح. الفنادق في تل أبيب وإيلات امتلأت بالنازحين، والحكومة عاجزة عن إعادة أي واحد منهم قبل "ضمان الأمن" الذي لم يعد موجوداً.
2. الاقتصاد المشلول: ميناء حيفا يعمل بنصف طاقته. المصانع في الشمال أُغلقت. السياحة صفر. الكلفة اليومية للحرب تجاوزت 250 مليون دولار حسب إعلامهم. كل صاروخ يسقط هو فاتورة جديدة تُدفع من جيب دافع الضرائب الإسرائيلي.
3. المجتمع في الملاجئ: صفارات الإنذار لا تتوقف. مليون إسرائيلي ينامون في الملاجئ كل ليلة. الرعب النفسي، وتفكك الثقة بالجيش والحكومة، هو الخسارة الاستراتيجية الكبرى التي لا تعوّضها القبة الحديدية.
هذا هو الاستنزاف الحقيقي. عندما يصبح بقاء المستوطن في أرضه مستحيلاً، يصبح بقاء الجندي المحتل انتحاراً.
ثالثاً: درس أيار 2000.. الانسحاب ثمنه الدم لا المفاوضات
فلنعد إلى التاريخ القريب. لماذا انسحبت إسرائيل سنة 2000 بلا قيد أو شرط؟ هل أقنعها مجلس الأمن؟ هل أخجلتها القرارات الدولية؟ أبداً.
انسحبت لأن كل يوم بقاء في الجنوب كان يعني توابيت تصل إلى تل أبيب، وأمهات تبكي على الشاشات، واقتصاد ينزف. إيهود باراك لم "يقرر" الانسحاب، بل "هرب" به تحت جنح الليل. المقاومة فهمت يومها أن الإسرائيلي لا يفاوض على الأرض، بل يفر منها عندما تحترق تحت أقدامه.
رابعاً: ترامب بين الشراكة والعجز.. هل يستطيع لجم نتنياهو؟
هنا يدخل العامل الأميركي. ترامب يعود للبيت الأبيض وهو يحمل معادلة معقدة:
1. شريك استراتيجي: هو الداعم الأول لإسرائيل بالمال والسلاح والفيتو. لا يخفي انحيازه المطلق لتل أبيب، ويعتبر "أمن إسرائيل" جزءاً من أمنه الداخلي والانتخابي.
2. لكنه يريد إيقاف الحروب: ترامب تاجر قبل أن يكون سياسياً. الاستنزاف الحالي يضر بمصالح أميركا، يرفع أسعار النفط، ويهدد حملته "أوقفوا الحروب". لذلك يحاول لجم نتنياهو وفرض صفقة توقف النزيف.
3. المشكلة؟ نتنياهو لا يسمع: رئيس حكومة العدو يعيش معركته الشخصية للبقاء السياسي. يهرب إلى الأمام بالحرب، ويعرف أن وقفها يعني محاكمته. ترامب يضغط، يرسل موفدين، يهدد بوقف شحنات سلاح، لكنه حتى الآن لا يستطيع. نتنياهو يراهن أن ترامب لن يتخلى عنه بالكامل قبل الانتخابات.
النتيجة: ترامب شريك في الدعم، لكنه عاجز عن فرض الحل. وهذا العجز الأميركي هو نفسه ورقة قوة للمقاومة. لأن العدو بات وحيداً في الميدان، وأميركا لا تملك إلا التفرّج على استنزافه.
خامساً: الهدف اليوم.. صناعة "أيار جديد" من حيفا إلى الناقورة
الهدف الاستراتيجي للمقاومة الآن ليس "تسجيل نقاط إعلامية"، بل إنتاج أذية موجعة ومستمرة تجبر العدو على نفس المعادلة: الانسحاب أو الاستنزاف المميت.
إذا كانت مستوطنات الشمال تُخلى اليوم، فإن وصول النار إلى حيفا يعني شلل ميناء ومصافي وربع اقتصاد العدو. ووصولها إلى تل أبيب يعني شلل القرار السياسي. العدو يدرك أن "أيار 2000" بنسخته المحدّثة سيكون أشد قسوة.
الخلاصة: لا انسحاب إلا تحت النار
على طريق أيار جديد، القاعدة لم تتغيّر: عندما يوجع الصاروخ، ينسحب العدو. كلما اتسعت دائرة النار واشتدت دقة الأذية، وكلما نزفت الجبهة الداخلية الإسرائيلية، اقتربنا من اللحظة التي يرفع فيها الإسرائيلي الراية البيضاء.
تفاوض الدولة ميت وذليل. وتفاوض المقاومة حيّ لأنه مكتوب بالنار. ترامب قد يريد لجم نتنياهو، لكنه لا يستطيع. والذي يستطيع هو الصاروخ الذي يعبر إلى حيفا.
التاريخ لا يحترم الضعفاء. ومن يملك الصاروخ، يملك قرار الانسحاب.