تفاوضان مذلّة الدولة وعزّة المقاومة منذ بدء التصعيد الإسرائيلي المفتوح، يقف اللبنانيون أمام مشهدين للتفاوض، لا ثالث لهما.
تفاوضان: مذلّة الدولة وعزّة المقاومة
منذ بدء التصعيد الإسرائيلي المفتوح، يقف اللبنانيون أمام مشهدين للتفاوض، لا ثالث لهما. مشهد يُذلّ صاحبه، ومشهد تُرفع له القبعات. الأول يُدار من واشنطن عبر الدولة، والثاني يُكتب بصواريخ المقاومة ومسيراتها، مرتبطاً بتفاوض إيران وأميركا في عُمان وباكستان. بين الطاولتين، تتكشف الحقيقة: لا أفق للتفاوض بلا قوة، ولا نتيجة بلا حلف صادق.
أولاً: تفاوض مذلّ بلا أفق واضح
اختارت الدولة اللبنانية الهرولة إلى طاولة التفاوض المباشر مع العدو برعاية أميركية، وهي تدخلها عارية من أي ورقة قوة. لا ردع ميداني يحمي ظهرها، ولا كلفة فرضتها على العدو قبل أن يجلس مندوبها. ذهبت إلى واشنطن لتفاوض على "ترتيبات أمنية" بينما الطائرات الإسرائيلية تقصف فوق رأسها.
هذه المفاوضات مذلّة بامتياز، لأنها قائمة على منطق الاستجداء لا المقايضة. تتنازل اليوم على أمل وقف غارة غداً، وتمنح الاحتلال شرعية جديدة تحت مسمّى "مناطق عازلة". بلا سقف وطني، وبلا سند شعبي، وبلا زمن تختاره بنفسها، صار هذا المسار تحصيل حاصل لشروط العدو. والنتيجة واضحة: لا أفق سياسي، ولا انسحاب كامل، ولا كرامة وطنية. مجرد بيع مجاني للوقت والأرض، في انتظار ما تقرره طاولات أخرى.
ثانياً: تفاوض عزّة يكتبه الميدان
في المقابل، هناك تفاوض ترفع له القبعة، لا يُدار في الفنادق بل يُكتب في السماء وعلى التلال. تفاوض تصنعه المقاومة بالصواريخ والمسيرات. كل عملية شمال الليطاني، كل مسيّرة تصل إلى عمق الجليل، كل صاروخ يفرض إخلاء مستوطنة، هو سطر يُضاف إلى بنود أي اتفاق قادم قبل أن يصله الوسيط الأميركي.
منطق هذا التفاوض بسيط وواضح: النار أولاً، ثم الكلام. لا جلوس قبل فرض الكلفة، ولا تنازل قبل تحقيق الردع. هذا هو التفاوض الذي يفهمه العدو ويحسب له ألف حساب، لأنه تفاوض يُوجع. وهنا يكمن السر: هذا التفاوض الميداني مرتبط عضواً بتفاوض إيران وأميركا الجاري في عُمان وباكستان. المقاومة تضرب بالنار على الأرض، وطهران تفاوض بالنووي والصواريخ على الطاولة. الاثنان وجهان لعملة واحدة: معادلة القوة.
ثالثاً: القوة الداخلية والحلف الصادق يصنعان النتيجة
الفارق الجوهري بين التفاوضين ليس في الذكاء الدبلوماسي، بل في القوة الداخلية والحلف الصادق.
إيران لم تذهب إلى عُمان بيد فارغة. ذهبت بعد سنوات من تراكم القدرة: تخصيب، صواريخ، مسيّرات، ووحدة قرار. فاوضت واشنطن من موقع الندّ، لذلك كانت واشنطن هي المستعجلة على الاتفاق.
كذلك المقاومة. قوتها الداخلية، تماسك بيئتها، وصدق حلفها مع طهران، جعل منها طرفاً لا يمكن تجاوزه. هذا الحلف الصادق هو الذي يحوّل الصاروخ إلى ورقة تفاوضية، والمسيرة إلى بند سياسي. من يملك قوة حقيقية على الأرض، ويستند إلى حلف لا يتخلى عنه عند أول ضغط، هو وحده من يفرض شروطه ويكتب ما يجب أن يُكتب.
في المحصلة، اللبنانيون اليوم بين خيارين لا يلتقيان:
تفاوض مذلّ تديره دولة بلا قرار، بلا رصيد، وبلا حلف، فينتهي إلى لا شيء.
وتفاوض عزّة تصنعه مقاومة بقوة داخلية وحلف صادق، فيفرض نتيجة على العدو ويربط مصير لبنان بطاولة الكبار في عُمان.
الأيام القليلة القادمة، من اليوم إلى الإثنين، ستُظهر أي التفاوضين انتصر. إما توقيع يُملى على الضعيف، أو اتفاق تُفرض بنوده بالقوة. والتاريخ علّمنا أن العدو لا يحترم إلا من يُوجعه، ولا يجلس للتفاوض إلا مع من يخشى ناره.
ان ما ينشر من اخبار ومقالات لا تعبر عن راي الموقع انما عن رأي كاتبها