دخلت أسواق الغذاء العالمية مرحلة توتر غير مسبوقة مع تحول الحرب في المنطقة وإغلاق مضيق هرمز من أزمة طاقة وشحن إلى أزمة تهدد الأمن الغذائي العالمي، بعدما تسبّب نقص الكبريت وارتفاع أسعار الأسمدة في اضطراب واسع بسلاسل الإمداد الزراعية، وسط تحذيرات من تراجع المحاصيل، وارتفاع مخاطر المجاعة في عدد من الدول الفقيرة خلال العام المقبل. وبدأت شركات الأسمدة الكبرى حول العالم خفض إنتاج الأسمدة الفوسفاتية، بسبب أزمة حادة في إمدادات الكبريت، المادة الأساسية المستخدمة في تصنيع الأسمدة الزراعية اللازمة لمحاصيل رئيسية تشمل القمح والذرة والأرز وفول الصويا وزيت النخيل، وفق صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية.
وأدى تعطّل الملاحة في مضيق هرمز إلى اختناق تدفقات الكبريت العالمية، في وقت كان يمرّ عبر المضيق قبل الحرب نحو 50% من تجارة الكبريت العالمية، ما أدى إلى اضطراب واسع في صناعة الفوسفات والأسمدة المرتبطة بها. وقال فارس الدريج، الرئيس التنفيذي لشركة "أو سي بي نوتريكروبس"، التابعة لمجموعة "أو سي بي" المغربية، أكبر مصدر للفوسفات في العالم، إن الأزمة بدأت بمشكلة في المواد الخام، لكنها تحولت إلى صدمة في إمدادات الأسمدة، وفق الصحيفة. ويعد الفوسفور أحد المغذيات الأساسية الثلاثة اللازمة لنمو المحاصيل التجارية، إلى جانب النيتروجين والبوتاسيوم، فيما تعتمد الزراعة الحديثة بشكل كبير على الأسمدة الفوسفاتية للحفاظ على مستويات الإنتاج والإنتاجية الزراعية.
توتر في الأسواق بسبب نقص الأسمدة
وقال كريس لوسون، نائب رئيس معلومات السوق والتسعير في شركة "سي آر يو" لأبحاث السلع، إن كل مصدر رئيسي لإمدادات الفوسفات يتعرض لضغوط في الوقت نفسه، واصفاً وضع السوق بأنه قاتم. وبدأت شركات كبرى بالفعل تقليص إنتاجها. فقد خفّضت شركة موزاييك الأميركية، إحدى أكبر شركات الأسمدة في العالم، إنتاج الفوسفات في الولايات المتحدة والبرازيل بعد الارتفاع الحاد في تكاليف الكبريت، فيما قدمت مجموعة "أو سي بي" المغربية أعمال الصيانة في بعض مصانعها لتخفيف الضغوط التشغيلية. ورغم تأكيد المجموعة المغربية امتلاكها مخزونات استراتيجية من الكبريت والمنتجات النهائية تكفي حتى نهاية يوليو/ تموز المقبل على الأقل، فإن الأسواق العالمية تواجه نقصاً متزايداً في الإمدادات، بالتزامن مع تسابق الدول المستوردة لتأمين احتياجاتها من الأسمدة قبل تفاقم الأزمة.
وفي خطوة تعكس حجم التوتر داخل الأسواق، أوقفت الصين صادرات الأسمدة الفوسفاتية الرئيسية حتى أغسطس/ آب المقبل على الأقل، في محاولة لحماية السوق المحلية، ومنع تفاقم نقص الإمدادات الداخلية. كما أطلقت الهند، أحد أكبر مستوردي الأسمدة في العالم، مناقصة ضخمة لاستيراد 1.6 مليون طن من الأسمدة الفوسفاتية، بينها 1.3 مليون طن من فوسفات ثنائي الأمونيوم، وهو أكثر أنواع الأسمدة الفوسفاتية استخداماً عالمياً، في أكبر مناقصة منفردة من نوعها. وفي السعودية، حاولت شركات مثل "معادن" و"سابك" الحفاظ على تدفق الصادرات، عبر نقل المنتجات بالشاحنات إلى موانئ البحر الأحمر، إلا أن بيانات شركة "سي آر يو" أظهرت أن الشحنات السعودية انخفضت إلى النصف تقريباً، بسبب اضطرابات الملاحة حول مضيق هرمز. وقال كريستيان فيندل، رئيس شركة هيكساغون غروب لتجارة الأسمدة: "ببساطة لا يوجد كبريت"، في إشارة إلى حجم الاختناق الذي يواجه القطاع عالمياً.
وامتدت تداعيات الأزمة إلى الحكومات الأوروبية، إذ أعلن الاتحاد الأوروبي، بحسب وكالة رويترز، تعليق الرسوم الجمركية لمدة عام على بعض الأسمدة النيتروجينية الرئيسية مثل اليوريا والأمونيا، بهدف تخفيف آثار الأزمة على المزارعين الأوروبيين. وأوضح مجلس الاتحاد الأوروبي أن أسعار الأسمدة العالمية قفزت بعد الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو ثلث تجارة الأسمدة العالمية، مشيراً إلى أن الأسواق الأوروبية تواجه ضغوطاً متزايدة رغم محدودية اعتمادها المباشر على الشرق الأوسط. وأضاف المجلس أن الاتحاد الأوروبي استورد خلال 2024 نحو مليوني طن من الأمونيا و5.9 ملايين طن من اليوريا، إضافة إلى 6.7 ملايين طن من الأسمدة النيتروجينية والخلائط المحتوية على النيتروجين. ورغم أن اعتماد أوروبا المباشر على الشرق الأوسط لا يتجاوز 3% بالنسبة للأمونيا و1% إلى 2% بالنسبة للأسمدة النيتروجينية، فإن اضطراب الأسواق العالمية رفع الأسعار على جميع المستوردين، مع تسابق الدول لتأمين الإمدادات البديلة.
صدمة غذائية عالمية
وحذّرت منظمة الأغذية والزراعة، التابعة للأمم المتحدة "فاو"، الشهر الماضي، من أن استمرار تعطل الإمدادات قد يؤدي إلى "كارثة غذائية وزراعية عالمية"، خاصة مع بدء ظهور مؤشرات فعلية على تراجع الإنتاج الزراعي في بعض المناطق. ففي أستراليا، ثالث أكبر مصدر للقمح في العالم، بدأ المزارعون بالفعل بزراعة مساحات أقل هذا العام، وسط توقعات بانخفاض المحصول بنسبة تصل إلى 40%، بينما تتوقع الأسواق تراجع إمدادات الأرز في آسيا، بسبب الحرب، وظهور ظاهرة "إل نينيو" المناخية في الوقت نفسه. وحذّر كريس فلاخوبولوس، محرر شؤون الفوسفات في مجموعة أبحاث السلع "آي سي آي إس"، من أن سوق الأسمدة العالمية بدأت تنقسم إلى سوقين منفصلين: دول غنية قادرة على دفع الأسعار وتأمين الإمدادات، ودول فقيرة قد تُجبر على تقليص استخدام الأسمدة، أو الخروج من السوق بالكامل.
وقال فلاخوبولوس إن المزارعين في أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب شرق آسيا بدأوا بالفعل تأجيل شراء الأسمدة، أو خفض استخدام الفوسفات، بسبب الأسعار المرتفعة، محذراً من أن أي نقص في العناصر الغذائية الأساسية سيؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي. وأضاف: "إذا تعرّض أحد المغذيات للنقص، فإن المحصول سيتراجع إلى مستوى أضعف عنصر غذائي". وفي ظل استمرار الحرب وتعطّل تدفقات الكبريت عبر الخليج، تتزايد المخاوف داخل الأسواق الزراعية العالمية من تحول أزمة الأسمدة الحالية إلى أزمة غذاء واسعة خلال العام المقبل، خاصة مع ارتفاع تكلفة الإنتاج الزراعي عالمياً، وتراجع قدرة الدول الفقيرة على شراء الأسمدة بالكميات اللازمة للحفاظ على المحاصيل.
موجة صعود تدريجية
وأدت الأزمة إلى قفزة تاريخية في أسعار الأسمدة الفوسفاتية والكبريت. وبحسب بيانات شركة "سي آر يو"، ارتفعت أسعار فوسفات ثنائي الأمونيوم السعودي تسليم فوري من نحو 620 دولاراً للطن في يناير/ كانون الثاني 2025 إلى قرابة 900 دولار للطن في مايو/ أيار 2026. وأظهرت البيانات أن الأسعار بدأت موجة صعود تدريجية خلال 2025، لترتفع من 640 دولاراً في إبريل/ نيسان إلى 700 دولار في مايو، ثم إلى 740 دولاراً في يونيو/ حزيران، قبل أن تستقر قرب مستوى 800 دولار للطن بين أغسطس وأكتوبر/ تشرين الأول 2025. ومع نهاية العام الماضي، شهدت الأسعار تراجعاً مؤقتاً إلى نحو 745 دولاراً في نوفمبر/ تشرين الثاني و695 دولاراً في ديسمبر/ كانون الأول، قبل أن تهبط إلى 660 دولاراً للطن في يناير 2026، ثم تعود للصعود مجدداً إلى 720 دولاراً في مارس/ آذار، و760 دولاراً في إبريل، قبل القفزة الحادة الأخيرة إلى 850، ثم 900 دولار للطن خلال مايو الجاري.
كما قفزت أسعار الكبريت نفسها من مستويات تراوحت بين 150 و180 دولاراً للطن قبل عام واحد فقط، إلى ما بين 850 و900 دولار حالياً، فيما اقتربت بعض أسعار التسليم من مستوى ألف دولار للطن، بحسب بيانات السوق. وقال ويليس توماس، رئيس قطاع الأسمدة في شركة "سي آر يو"، إن الجدوى الاقتصادية لإنتاج الفوسفات لم تعد قائمة مع هذه التكاليف المرتفعة، موضحاً أن هوامش أرباح منتجي الفوسفات في الصين أصبحت سلبية حتى قبل احتساب تكاليف المعالجة والتشغيل.